في كل مرة ترتفع فيها أسعار الفائدة، يظهر السؤال نفسه: هل البنك المركزي يحاول محاربة التضخم، أم أنه يضعف الاستثمار؟ والحقيقة أن الإجابة ليست بهذه البساطة.
سعر الفائدة المرتفع يؤثر في الاقتصاد من أكثر من اتجاه. فهو يجعل الاقتراض أكثر تكلفة بالنسبة للشركات، ويجعل بعض المستثمرين يفضلون إيداع أموالهم في أدوات مالية تحقق عائدًا مرتفعًا بدلًا من الدخول في مشروع إنتاجي يحتاج إلى سنوات حتى يسترد رأس ماله.
وهذا يمثل تحديًا حقيقيًا للصناعة.
فالمصنع الذي يحتاج إلى تمويل لشراء خط إنتاج جديد لا ينظر إلى سعر الفائدة باعتباره رقمًا على شاشة البنك، بل يحوله مباشرة إلى تكلفة على المنتج. وكلما ارتفعت تكلفة التمويل، ارتفع الحد الأدنى من المبيعات والأرباح الذي يحتاج إليه المشروع حتى يصبح الاستثمار مجديًا.
لكن الصورة الأخرى لا تقل أهمية.
إذا ارتفع التضخم بشدة، فإن ترك أسعار الفائدة منخفضة قد يؤدي إلى نتيجة أكثر خطورة: تآكل قيمة المدخرات، وزيادة الطلب على الدولار والأصول، وارتفاع تكلفة الاستيراد، ثم انتقال هذه الضغوط مرة أخرى إلى الأسعار.
ولهذا فإن السياسة النقدية تواجه معادلة صعبة.
خفض الفائدة بسرعة قد يضر باستقرار الأسعار، ورفعها لفترة طويلة قد يضغط على الاستثمار والإنتاج.
المشكلة إذن ليست في سعر الفائدة وحده، وإنما في المدة التي يظل فيها مرتفعًا، وفي نوع الاقتصاد الذي يتم تمويله.
فليس من المنطقي أن يحصل مشروع صناعي تصديري ومشروع استهلاكي قصير الأجل على المعاملة التمويلية نفسها دائمًا.
المشروع الذي يستورد آلة، ويزيد الطاقة الإنتاجية، ويوفر وظائف، ويخفض الواردات أو يولد صادرات، يمكن أن يكون له أثر اقتصادي أكبر بكثير من نشاط يعتمد أساسًا على الاستهلاك.
ولهذا تحتاج مصر إلى تطوير أدوات تمويل أكثر ذكاءً، بحيث لا يكون التمويل الصناعي طويل الأجل أسيرًا بالكامل لسعر الفائدة التجاري السائد.
يمكن أن تلعب البنوك، وصناديق الاستثمار، وضمانات الائتمان، والتمويل التنموي، وسوق المال دورًا أكبر في توجيه الأموال نحو المشروعات المنتجة.
كما أن الشركات نفسها تحتاج إلى التفكير بطريقة مختلفة. فالاعتماد الكامل على القروض المصرفية يجعل المشروع أكثر حساسية لتحركات الفائدة. أما تنويع مصادر التمويل بين رأس المال والتمويل المصرفي والتأجير التمويلي وسوق المال، فيمكن أن يقلل المخاطر.
وفي النهاية، لا توجد سياسة نقدية تستطيع وحدها بناء اقتصاد قوي.
البنك المركزي يستطيع أن يحافظ على استقرار الأسعار والعملة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المصنع والمزارع والمصدر والمستثمر.
وفي المقابل، لا يستطيع المستثمر أن يطلب تمويلًا رخيصًا في اقتصاد يعاني تضخمًا مرتفعًا ثم يتوقع أن تختفي المشكلة.
الحل الحقيقي يبدأ عندما تعمل السياسة النقدية والسياسة الصناعية في الاتجاه نفسه:
استقرار نقدي يسمح بخفض تكلفة التمويل تدريجيًا، واقتصاد إنتاجي يجعل هذا التمويل يتحول إلى مصانع وصادرات وفرص عمل.
وعندها فقط يصبح انخفاض الفائدة نتيجة لتحسن الاقتصاد، وليس مجرد قرار إداري.
لأن أرخص قرض في العالم لن ينقذ مشروعًا غير منتج، بينما المشروع المنتج يستطيع أن ينمو حتى في بيئة تمويل صعبة إذا كانت لديه سوق قوية وإدارة جيدة وقدرة حقيقية على المنافسة.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق