الاثنين، 24 أغسطس 2026

في الاقتصاد، هناك فرق كبير بين النمو والشعور بالنمو.قد تعلن الدولة ارتفاع معدل النمو، وتتحسن بعض المؤشرات

في الاقتصاد، هناك فرق كبير بين النمو والشعور بالنمو.
قد تعلن الدولة ارتفاع معدل النمو، وتتحسن بعض المؤشرات، وتزداد الاستثمارات، بينما تظل الأسر تشعر بأن حياتها الاقتصادية لم تتحسن بالقدر نفسه. وهذا ليس تناقضًا بالضرورة؛ لأن النمو الاقتصادي لا يصل إلى الجميع بالسرعة نفسها.
إذا زاد الناتج المحلي بنسبة معينة، لكن ارتفعت في الوقت نفسه تكلفة السكن والغذاء والنقل والخدمات، فقد يشعر المواطن بأن دخله الحقيقي لم يتحسن، حتى وإن كانت أرقام الاقتصاد الكلي أفضل.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من سؤال: كم نما الاقتصاد؟ إلى سؤال أكثر دقة: كيف توزع هذا النمو؟
النمو الذي يأتي من قطاعات محدودة لا يوفر الوظائف نفسها التي يوفرها نمو واسع قائم على الصناعة والزراعة والخدمات الحديثة. كما أن الاستثمار في مشروع ضخم قد يرفع الناتج، لكنه لا يعني تلقائيًا تحسن دخول آلاف الأسر إذا لم تنشأ حوله سلسلة واسعة من الوظائف والموردين والمشروعات الصغيرة.
ولهذا فإن جودة النمو لا تقل أهمية عن حجمه.
اقتصاد ينمو بسبب التوسع في الإنتاج الصناعي والتصدير قد يخلق أثرًا مختلفًا عن اقتصاد ينمو بصورة أساسية نتيجة زيادة الاستهلاك.
الأول يبني قدرة إنتاجية يمكن أن تستمر، بينما الثاني قد يكون أكثر عرضة للتباطؤ إذا تراجعت القدرة الشرائية أو ارتفعت تكلفة التمويل.
ومن هنا تأتي أهمية التركيز على القطاعات القادرة على خلق دخل مستدام.
المصنع لا يخلق وظيفة للعامل فقط. فهو يحتاج إلى موردين، وشركات نقل، وصيانة، وتعبئة، وخدمات مالية، وتسويق، ومحاسبة، وتكنولوجيا. وكلما زادت الروابط بين القطاعات، انتقل أثر النمو إلى مساحة أكبر من الاقتصاد.
والأمر نفسه ينطبق على السياحة.
السائح لا ينفق فقط في الفندق، وإنما على النقل والمطاعم والتسوق والأنشطة والخدمات. لذلك فإن زيادة القيمة التي ينفقها السائح قد تكون أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد السائحين.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا لا تكفي أرقام النمو وحدها للحكم على نجاح السياسات الاقتصادية.
نحتاج إلى النظر أيضًا إلى الإنتاجية، والأجور الحقيقية، وفرص العمل، والاستثمار الخاص، والصادرات، ونسبة مشاركة الشركات الصغيرة والمتوسطة في النشاط الاقتصادي.
إذا تحسنت هذه المؤشرات معًا، يصبح النمو أكثر رسوخًا وأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمع.
أما إذا ارتفع الناتج بينما ظلت تكلفة المعيشة تضغط على الدخول، فقد يكون الاقتصاد قد نما بالفعل، لكن ثماره لم تصل بعد بالسرعة الكافية إلى الناس.
وهذا لا يعني أن النمو غير مهم.
بل يعني أن المرحلة الأصعب تبدأ بعد تحقيقه.
كيف نحول النمو من رقم في الحسابات القومية إلى تحسن محسوس في حياة الناس؟
الإجابة ليست في توزيع الأموال فقط، وإنما في بناء اقتصاد ينتج وظائف أفضل، ويرفع إنتاجية العامل، ويخلق شركات جديدة، ويزيد الصادرات، ويخفض تكلفة الإنتاج.
فالاقتصاد القوي ليس الذي يستطيع أن يقول إن الناتج المحلي ارتفع.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot