الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الخوف والرغبة


عند زيارتي الأخيرة إلى بلدتنا ، التي يفترض أن تكون جميلة بأهلها وشبابها ووعي أبنائها ، وجدت مشهداً يحمل في داخله تناقضاً مؤلماً ؛ بين نفوس صادقة تتطلع إلى التغيير والازدهار والتقدم ، وتسعى إلى محو كل ما اكتسب بالباطل ، وبين نفوس أخرى آثرت الخوف والمصلحة والانبطاح ، حتى أصبح التغيير بالنسبة إليها تهديداً ، والحق مصدر قلق، والمستقبل شيئاً لا يعنيها.

وجدت رجالاً شرفاء ، لا يبحثون إلا عن الأفضل لبلدتهم ، يؤمنون بأن الأوطان والبلدان لا تنهض إلا بسواعد أبنائها ، وأن ما تراكم من أخطاء وممارسات خاطئة لا بد أن يُراجع ويُصحح ، وأن ما اكتسب بغير حق لا يمكن أن يكون أساساً لمستقبل سليم.

وفي الجانب الآخر ، وجدت نفوساً خبيثة، متخفية خلف الأقنعة ، تتلون بحسب المصلحة ، وتعيش على النفاق والتملق ، وتخشى أن تتغير الأوضاع ؛ لأن التغيير بالنسبة إليها يعني سقوط امتيازات اعتادت عليها ، وانكشاف حقائق ظلت طويلاً خلف الستار.

لكن ما آلمني أكثر هو حال جيل من الشباب ؛ شباب يقضي الليل في السهر واللهو ، وينام النهار ، بلا هدف واضح ولا عمل منتج ولا طموح حقيقي ، حتى أصبح الوقت يمر من بين أيديهم دون أن يتركوا فيه أثراً.

وهنا لا يمكن أن نلقي اللوم كله على الشباب وحدهم ، فالمسؤولية تبدأ من الأسرة. 
فهناك آباء وأمهات يدللُون أبناءهم بلا وعي ، ويوفرون لهم كل ما يريدون دون أن يسألوا أنفسهم : إلى أين يسير هؤلاء الأبناء؟ 
وماذا سيكون مستقبلهم عندما تنتهي أموال الأسرة أو يغيب الأب الذي اعتادوا الاعتماد عليه؟

إن التربية الحقيقية ليست في أن توفر لابنك كل شيء ، وإنما في أن تعلمه كيف يصنع كل شيء.

ومن المشاهد المؤسفة أيضاً انتشار مروجي الشائعات والمطبلين ، أو ما يسميهم البعض بـ”الكشافين ”، وهم فئة خطيرة على أي مجتمع ؛ لأنهم يعيشون بين الناس ، يستمعون إلى أحاديثهم ، وينقلون الكلام ويضخمونه ويصيغونه وفق أهواء من يخدمون مصالحهم ، بحثاً عن رضا هذا أو ذاك ، حتى وإن كان الثمن كرامتهم ومكانتهم بين الناس.

والأخطر من ذلك أن الشائعة أصبحت عند البعض وسيلة لإسقاط المحترمين وتشويه أصحاب المواقف ، بدلاً من مواجهة الحقيقة بالحجة والدليل.

ولعل من أكثر الأمور التي تستحق التأمل أن الشاب الطموح ، المسؤول ، المحترم ، الباحث عن مستقبله ، غالباً ما تجده خارج بلدته ، مغترباً في بلاد أخرى ، يسعى وراء رزقه ويشق طريقه بعرقه ، بينما نجد بعض من يجلسون في منازل آبائهم ، منتظرين من يعولهم ، أكثر الناس حديثاً باسم العائلات ، وأكثرهم تداولاً للأحاديث ، وأحياناً أكثرهم تفاخرًا بما لا يملكون.

وهنا يفرض السؤال نفسه:

من الذي يستحق أن يكون صوته مسموعاً؟

أهو من ترك وطنه وأهله ، وسافر بحثاً عن رزقه ومستقبل أبنائه ، وتحمل الغربة والمشقة؟ أم من اختار أن يبقى في مكانه ، ينتظر ما يأتيه من غيره ، ثم يتفرغ للحديث عن الناس وتقييمهم وتوزيع الألقاب عليهم؟

إن المجتمعات لا تُقاس بكثرة الكلام ، وإنما بما تقدمه من عمل. 
ولا تُبنى بالصياح والتفاخر ، وإنما بالعلم والأخلاق والإنتاج.

واحسرتاه على أبٍ شقي وتعب طوال عمره ليجمع المال ، ويؤمّن لأبنائه حياة كريمة ، ثم اكتشف متأخراً أنه كان يزرع ويروي ، لكنه لم ينتبه إلى نوع البذرة التي يرويها ؛ حتى إذا كبرت ، لم يجد الثمرة التي كان ينتظرها.

فليس كل ابنٍ تربى على النعمة أصبح ناجحاً ، وليس كل من ورث المال ورث معه الحكمة ، وليس كل من حمل اسم عائلة أصبح جديراً بتمثيلها.

إن المرحلة القادمة تحتاج إلى عقول واعية ، وشباب مسؤول ، ورجال لا يخافون من قول الحق ، وأسر تدرك أن أبناءها أمانة ومستقبل ، لا مجرد أشخاص تنتظر منهم استمرار الاسم أو المال.

أما الخوف والرغبة ، فهما اليوم في صراع واضح ؛ الخوف عند من يخشى التغيير ، والرغبة عند من يريد أن يرى بلدتنا أفضل وأجمل وأكثر عدلاً وكرامة.

وأنا على يقين بأن الخوف مهما طال ، لا يستطيع أن يهزم الرغبة في الإصلاح ، وأن الباطل مهما طال بقاؤه ، لا يصبح حقاً ، وأن الشائعة مهما انتشرت، لا تستطيع أن تغير الحقيقة.

فلتكن الكلمة الأخيرة لمن يعمل ، ولمن يخلص ، ولمن يحترم الناس ، ولمن يريد لبلدته الخير دون انتظار مقابل.

فالبلدان لا تتقدم بمن يصفقون للماضي ، وإنما بمن يمتلكون شجاعة صناعة المستقبل.

بقلم المستشار والمحرر الصحفي / عمر ماهر أبو دقنة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot