الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الحدود التي تحمي البيوت: حين يصبح غضّ البصر وقايةً من الانهيار

د.سوهير الطويل استشاري نفسي واسري وتربوي 

في أعقاب كل واقعة مؤلمة تهز المجتمع، نميل إلى البحث عن لحظة الانفجار، وننسى أحيانًا أن الكوارث الكبرى قد تبدأ بخطوات صغيرة تبدو في بدايتها عابرة، وربما بريئة.

نظرة لا ينبغي أن تطول، وكلمة تتجاوز حدودها، ورسالة لا ضرورة لها، وحديث خاص، ثم مساحة من التعلّق العاطفي تتسع شيئًا فشيئًا، حتى يجد الإنسان نفسه في علاقة لم يكن يتصور يومًا أنه سيصل إليها.

وهنا تتجلى عظمة التشريع الإسلامي في أنه لم يكتفِ بالنهي عن الجريمة في صورتها النهائية، وإنما سدّ الطرق المؤدية إليها، فقال تعالى:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.

فالتعبير القرآني لم يكن «لا تزنوا» فحسب، وإنما «ولا تقربوا»؛ لأن الوقاية تبدأ من الطريق المؤدي إلى المعصية، لا عند الوصول إليها.

وقد جاء في الحديث الشريف: «فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»، رواه مسلم.

إنها منظومة متكاملة من التحذير من البدايات التي قد تبدو صغيرة، لكنها قادرة، إذا استُرسِل فيها، على أن تتحول إلى تعلق ثم تجاوز ثم سقوط.

المسؤولية مشتركة

من الخطأ أن نحمّل أحد الجنسين وحده مسؤولية حماية الأخلاق.

فالقرآن الكريم بدأ بالرجال فقال:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

ثم أتبع ذلك بقوله:

﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.

فالرجل مسؤول عن بصره، وكلامه، ونواياه، وحدوده، كما أن المرأة مسؤولة عن بصرها، وكلامها، ونواياها، وحدودها.

لا يجوز للرجل أن يعلّق انحرافه على سلوك امرأة، ولا يجوز للمرأة أن تجعل تجاوز الرجل مبررًا لتجاوزها هي.

كل إنسان مسؤول عن نفسه أمام الله.

لكن إغلاق الباب يبدأ من إدراك خطورة الحدود

ثمة فارق كبير بين التعامل الطبيعي المشروع، وبين أن تتحول العلاقة إلى مساحة خاصة من الاهتمام والفضفضة والرسائل والانتظار العاطفي.

وقد حذّر القرآن الكريم من هذا التدرج، فقال تعالى:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.

فليست كل كلمة محرمة، ولكن طريقة الكلام، وسياقه، والنية الكامنة وراءه، والمساحة التي يفتحها بين شخصين، قد تكون هي بداية المشكلة.

ولهذا فإن المرأة الواعية لا تنتظر حتى تصبح العلاقة محرمة كي تنسحب منها؛ كما أن الرجل الذي يتقي الله لا ينتظر أن تضع المرأة حدًا له حتى يتراجع.

الحدود الواضحة ليست تشددًا؛ إنها حماية.

والزواج لا يحميه الحب وحده، وإنما يحميه أيضًا الوعي، والوفاء، والحدود، والرقابة الداخلية التي تجعل الإنسان يتذكر الله حتى في غياب الرقيب.

والعلم الحديث يلتقي مع هذه الحقيقة

تتناول دراسات العلاقات الزوجية مفهوم «الحدود» باعتباره عنصرًا مهمًا في حماية العلاقة، وتشير أبحاث إلى أن السرية، وتكرار التواصل، وتكوين حميمية عاطفية خارج العلاقة الزوجية، يمكن أن تكون من العوامل التي تنقل التفاعل من مساحة عادية إلى مساحة يراها أحد الطرفين أو كلاهما تجاوزًا للثقة الزوجية.

وهنا تلتقي الحكمة الشرعية مع الخبرة الإنسانية:

ليس كل ما يبدأ صغيرًا يبقى صغيرًا.

ولهذا جاءت الشريعة بالوقاية قبل العلاج، وبإغلاق الأبواب قبل أن يصبح الخروج منها أكثر صعوبة.

لكن هناك خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه

في مواجهة أي واقعة خيانة أو علاقة محرمة، يجب أن نكون واضحين تمامًا:

الخيانة لا تبرر القتل.

القتل جريمة مستقلة، لا يمنحها الغضب شرعية، ولا تمنحها الخيانة مبررًا.

من خان يتحمل مسؤولية خيانته، ومن قتل يتحمل مسؤولية قتله.

ولا يجوز لأحد أن يستوفي العقوبة بنفسه، أو يحوّل الغيرة إلى انتقام، أو يجعل الجريمة ردًا على جريمة أخرى.

قال تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

إن الرسالة التي ينبغي أن نتعلمها من مثل هذه الوقائع ليست أن نبحث عن مذنب واحد، وإنما أن نسأل أنفسنا:

كيف نغلق الأبواب قبل أن تصل الأمور إلى الهاوية؟

كيف نربي أبناءنا وبناتنا على معنى العفة والوفاء؟

كيف نعلّم الرجل أن غض البصر مسؤولية، وأن قوة الشخصية ليست في كثرة العلاقات، وإنما في القدرة على ضبط النفس؟

وكيف نعلّم المرأة أن كرامتها ليست في قدرتها على جذب الانتباه، وإنما في قدرتها على معرفة الحدود والالتزام بها؟

إن الوقاية الحقيقية تبدأ من الداخل:

أن يراقب الإنسان الله حين لا يراه أحد.

أن يعرف متى يتراجع.

أن يرفض الرسالة التي لا ينبغي أن تُرسل.

وأن يغلق الباب عند أول خطوة، لا بعد أن تتحول الخطوات إلى طريق كامل.

فالبيوت لا تُحمى بالثقة العمياء، وإنما بالوفاء الواعي.

ولا تُحمى بالمراقبة المستمرة، وإنما بالضمير الحي.

ولا تُحمى بالخوف من الفضيحة، وإنما بالخوف من الله.

وفي النهاية، قد يكون أعظم أشكال الحكمة أن ندرك أن بعض الأبواب لا ينبغي أن نختبر قدرتنا على عبورها، بل أن نملك الشجاعة لإغلاقها من البداية.

غضّ البصر عبادة، والوفاء أمانة، والحدود حماية، وتقوى الله هي السور الأول الذي يحمي الإنسان وبيته ومجتمعه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot