الاقتصاد لا يُقاس فقط بما يدخل الدولة من أموال، وإنما أيضًا بما يخرج منها من أموال، ولهذا فإن فاتورة الاستيراد تظل واحدة من أهم المعارك الاقتصادية التي تحتاج إلى معالجة أكثر دقة من مجرد الدعوة إلى تقليل الواردات.
فليس كل استيراد مشكلة.
الدولة التي تريد أن تصنع وتصدر تحتاج إلى استيراد آلات ومعدات ومواد خام ومكونات، وقد يكون استيرادها هو الخطوة الأولى نحو زيادة الإنتاج والصادرات. المشكلة تبدأ عندما نستورد منتجات يمكن إنتاجها محليًا بكفاءة، أو عندما تصبح الواردات أعلى بكثير من قدرة الاقتصاد على توليد موارد النقد الأجنبي.
وهنا يجب أن نميز بين نوعين من الواردات.
هناك واردات تبني القدرة الإنتاجية: ماكينة تدخل مصنعًا، أو تكنولوجيا ترفع الإنتاجية، أو خامة تدخل في منتج سيتم تصديره.
وهناك واردات تستهلك القدرة الشرائية دون أن تضيف قيمة إنتاجية كافية.
الفرق بين النوعين مهم جدًا.
فلو استورد مصنع ماكينة بمليون دولار، ثم أصبحت هذه الماكينة تنتج منتجات تحل محل واردات بقيمة خمسة ملايين دولار سنويًا، أو تنتج سلعًا يتم تصديرها، فإن الدولار الذي خرج من الاقتصاد لم يكن خسارة بالمعنى البسيط؛ لقد تحول إلى أداة لإنتاج دولارات جديدة.
أما إذا استُخدمت العملة الأجنبية في استيراد منتج يمكن إنتاجه محليًا بتكلفة تنافسية، فنحن أمام فرصة ضائعة لبناء صناعة محلية.
وهنا لا ينبغي أن يكون هدف السياسة الاقتصادية هو منع الاستيراد، وإنما إعادة تشكيله.
نريد أن نستورد ما يساعدنا على الإنتاج، وننتج ما نستطيع إنتاجه بكفاءة، ونستورد ما لا نملك ميزة حقيقية في تصنيعه.
وهذه نقطة مهمة لأن محاولة تصنيع كل شيء محليًا ليست واقعية ولا اقتصادية بالضرورة.
لا توجد دولة حديثة تصنع كل ما تستهلكه.
الاقتصاد القوي هو الذي يعرف أين يمتلك ميزة تنافسية، ويستخدم موارده في القطاعات التي يستطيع أن ينتج فيها بجودة وسعر يسمحان له بالمنافسة.
ولهذا فإن ملف الإحلال محل الواردات يجب أن يبدأ بالأرقام.
ما أكثر المنتجات التي نستوردها؟
ما قيمتها؟
أيها يمكن تصنيعه محليًا؟
ما حجم الاستثمار المطلوب؟
هل المواد الخام متاحة؟
هل السوق المحلية تكفي؟
وهل يمكن للمصنع أن يصدر بعد تلبية السوق المحلية؟
عندما نجيب عن هذه الأسئلة، يتحول «تقليل الاستيراد» من شعار إلى خطة صناعية.
وقد يكون الأهم أن نركز على المنتجات التي تحقق فائدتين في الوقت نفسه: تخفيض الواردات وزيادة الصادرات.
فإذا أنشأنا مصنعًا ينتج مكونًا كانت مصر تستورده، ثم أصبح هذا المكون نفسه منتجًا تصديريًا، فقد حققنا مكسبًا مزدوجًا.
أما إذا أغلقنا الباب أمام الاستيراد وتركنا المستهلك أمام منتج محلي مرتفع التكلفة وضعيف الجودة، فنحن لم نبنِ صناعة تنافسية؛ نحن فقط نقلنا التكلفة من فاتورة الاستيراد إلى جيب المستهلك.
لذلك فإن الهدف الحقيقي ليس أن نقول:
«لن نستورد».
بل أن نصل إلى مرحلة نستطيع فيها أن نقول:
«نستورد بذكاء، وننتج بكفاءة، ونصدر بقوة».
فالدولة التي تنجح في إدارة فاتورة الاستيراد ليست التي تمنع السلع من دخول حدودها، وإنما التي تجعل كل دولار يخرج منها جزءًا من عملية تؤدي في النهاية إلى إنتاج أكبر، وقيمة مضافة أعلى، ودولارات أكثر تعود إلى الاقتصاد.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق