هناك نوع من الاستثمار لا يظهر في صور افتتاح المصانع، ولا يحظى عادةً بالاهتمام نفسه الذي تحصل عليه مشروعات المليارات، لكنه قد يكون أكثر تأثيرًا في الاقتصاد على المدى الطويل: الاستثمار في المورد المحلي.
عندما يدخل مصنع كبير إلى مصر، غالبًا ما ينصب الاهتمام على قيمة المشروع وعدد العمالة المباشرة. لكن المصنع لا يعمل وحده. فهو يحتاج إلى مواد خام، وعبوات، وقطع غيار، وخدمات صيانة، ونقل، وبرمجيات، ومستلزمات تشغيل، وخدمات هندسية.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
إذا كان المصنع يستورد معظم احتياجاته، فإن جزءًا كبيرًا من القيمة التي يخلقها يظل مرتبطًا بالخارج. أما إذا استطاع الاعتماد تدريجيًا على موردين مصريين، فإن المصنع يتحول إلى محرك لصناعة أخرى.
شركة صغيرة تنتج مكونًا بسيطًا قد تبدأ بمورد واحد، ثم تحصل على عقد مع مصنع كبير، فتشتري معدات جديدة، وتوظف عمالًا، وتطور نظام الجودة لديها. وبعد سنوات، قد تصبح قادرة على التصدير هي نفسها.
بهذه الطريقة يمكن لمصنع واحد أن يخلق حوله عشرات المشروعات.
وهنا تحديدًا يجب أن يتغير مفهوم المكون المحلي.
ليس المقصود أن نرفع النسبة على الورق فقط، بحيث يتم استبدال جزء مستورد بمنتج محلي أقل جودة أو أعلى تكلفة. المكون المحلي الحقيقي هو الذي يستطيع أن ينافس من حيث السعر والجودة والاستمرارية.
وإذا أردنا تحقيق ذلك، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى أكثر من مجرد طلب حكومي منها بأن «تصنع محليًا».
تحتاج إلى تمويل لشراء المعدات، وتكنولوجيا، وتدريب، وشهادات جودة، ومعلومات عن احتياجات المصانع الكبرى، وعقود واضحة تضمن لها إمكانية التخطيط والتوسع.
كما تحتاج المصانع الكبرى نفسها إلى حوافز تجعل تطوير الموردين المحليين جزءًا من استراتيجيتها، وليس مجرد التزام شكلي.
وهنا يمكن للدولة أن تلعب دورًا مهمًا من خلال إنشاء قواعد بيانات حقيقية للموردين، وربط الشركات الصغيرة بالمصانع الكبرى، وتمويل برامج تطوير الجودة، وتشجيع نقل التكنولوجيا.
والأهم أن نبدأ بالنظر إلى المورد المحلي باعتباره استثمارًا وليس تكلفة.
فكل مكون نستطيع إنتاجه محليًا بجودة وسعر منافسين يعني تقليل فاتورة الاستيراد، وزيادة الطلب على الصناعة المصرية، وخلق وظائف، وبناء خبرة فنية جديدة.
والأثر لا يتوقف عند السوق المحلية.
عندما يصبح المورد المصري قادرًا على تلبية متطلبات شركة عالمية تعمل في مصر، يصبح أقرب إلى دخول سلسلة التوريد العالمية نفسها.
وهنا تحدث النقلة الحقيقية.
فبدلًا من أن تكون مصر مجرد مكان يوجد فيه المصنع العالمي، تصبح هناك شركات مصرية تشارك في إنتاج منتجات تُباع في عشرات الدول.
ولهذا، ربما يكون أحد أهم مؤشرات نجاح السياسة الصناعية في السنوات المقبلة ليس عدد المصانع الجديدة فقط، وإنما عدد الشركات المصرية التي أصبحت موردًا لمصانع كبرى ثم تحولت إلى مصدر مستقل.
لأن الصناعة القوية لا تقوم على مصنع كبير محاط بالفراغ.
تقوم على شبكة كاملة من الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، وكل شركة تفتح الباب أمام أخرى.
إذا أردنا تعميق التصنيع في مصر، فعلينا ألا نسأل فقط: أين سنبني المصنع الجديد؟
بل نسأل أيضًا:
من سيصنع له مكوناته؟
فقد يكون مستقبل الصناعة المصرية مختبئًا ليس داخل المصنع الكبير، وإنما في مئات الشركات الصغيرة التي ستنشأ حوله.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق