الاثنين، 24 أغسطس 2026

من السهل أن نحتفل عندما تعلن شركة عالمية عن استثمار جديد في مصر، لكن الأصعب هو أن نسأل: ماذا نريد من هذا الاستثمار بعد عشر سنوات؟

من السهل أن نحتفل عندما تعلن شركة عالمية عن استثمار جديد في مصر، لكن الأصعب هو أن نسأل: ماذا نريد من هذا الاستثمار بعد عشر سنوات؟
هذا السؤال أصبح أكثر أهمية مع تحرك مصر لجذب استثمارات صناعية كبيرة، من بينها مشروعات هندية وصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومجمع صناعي صيني مقترح باستثمارات قد تصل إلى ملياري دولار.
الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة كلها.
فالمليار دولار الذي يدخل مصنعًا يعتمد على استيراد معظم مكوناته ليس مساويًا اقتصاديًا للمليار دولار الذي ينشئ شبكة من المصانع المصرية المغذية، ويزيد الإنتاج المحلي، ويولد صادرات مستمرة.
وهنا يجب أن يتغير مفهوم جذب الاستثمار.
لسنا بحاجة فقط إلى مستثمر يضع أمواله في مصر، وإنما إلى مستثمر يجعل مصر أكثر قدرة على الإنتاج بعد دخوله.
وهذا يعني أن نجاح أي مشروع صناعي كبير يجب أن يُقاس بأسئلة محددة:
كم نسبة المكون المحلي؟
كم شركة مصرية ستدخل سلسلة التوريد؟
كم فرصة عمل فنية وهندسية سيخلقها؟
ما حجم التكنولوجيا التي ستنتقل إلى السوق؟
وكم من إنتاجه سيذهب إلى التصدير؟
هذه الأسئلة أهم من الرقم الذي يُكتب في عنوان الخبر.
فإذا أنشأت شركة عالمية مصنعًا في مصر، ثم اضطرت إلى استيراد كل شيء تقريبًا من الخارج، فقد حصلنا على مصنع، لكننا لم نبنِ صناعة بالمعنى الكامل.
أما إذا نشأ حول المصنع عشرات الموردين المصريين، ومراكز التدريب، وشركات الصيانة والهندسة والبرمجيات والنقل والخدمات اللوجستية، فهنا يبدأ الأثر الحقيقي.
وتزداد أهمية ذلك لأن مصر تستهدف بالفعل توسيع قاعدة الصناعة والتصدير، وليس مجرد زيادة عدد المصانع. كما أن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أعلنت أن 50 شركة فقط تستحوذ على نحو 45% من الصادرات المصرية، وهو ما يعكس الحاجة إلى خلق قاعدة أوسع من الشركات القادرة على التصدير. 
وهنا يمكن أن تكون الاستثمارات الأجنبية أداة لتغيير هيكل الاقتصاد نفسه.
شركة عالمية تدخل مصر، ثم تعتمد على شركة مصرية لإنتاج أحد مكوناتها. الشركة المصرية تتوسع، وتشتري ماكينة جديدة، وتوظف عمالًا، ثم تبدأ في توريد المكون لمصنع آخر، وبعدها تستطيع تصديره إلى أسواق أخرى.
هكذا يتضاعف أثر الاستثمار.
المشكلة إذن ليست في جذب الاستثمار، وإنما في كيفية تعظيم العائد الاقتصادي منه.
ولا ينبغي أن تكون الحوافز مفتوحة بلا مقابل. إذا حصل المستثمر على حوافز وأرض وطاقة وتسهيلات، فمن المنطقي أن يكون هناك في المقابل أهداف واضحة تتعلق بالإنتاج والتشغيل والتصدير ونقل التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي.
فالحوافز ليست هدية للمستثمر.
هي استثمار من الدولة في مشروع يفترض أن يحقق عائدًا أكبر للاقتصاد.
وفي النهاية، لن يكون السؤال بعد سنوات: كم مليار دولار دخلت مصر؟
السؤال الأهم سيكون:
كم صناعة جديدة نشأت؟
كم شركة مصرية كبرت؟
كم منتجًا مصريًا دخل الأسواق العالمية؟
وكم دولارًا أصبح الاقتصاد قادرًا على توليده من الإنتاج بدلًا من البحث عنه في الخارج؟
عندها فقط نستطيع القول إن مصر لم تجذب استثمارات فحسب، بل استخدمتها لبناء اقتصاد أقوى من الاقتصاد الذي كانت عليه قبل دخولها.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot