في الوقت الذي ينشغل فيه كثيرون بالسؤال عن حجم الاستثمارات التي تدخل مصر، هناك سؤال آخر أكثر أهمية بدأ يظهر بوضوح: ماذا نفعل بالثروة التي نملكها بالفعل؟
خلال الأيام الأخيرة، عادت الدولة إلى التركيز على ملف التعدين، ليس باعتباره نشاطًا لاستخراج الخامات وبيعها، وإنما باعتباره مدخلًا لصناعة كاملة. وزارة البترول تتحدث صراحة عن إقامة مجمعات صناعية للفوسفات والأسمدة وحمض الفوسفوريك، وعن مشروعات لرفع تركيز الخام وتصنيع منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى.
وهنا تكمن واحدة من أهم الفرص الاقتصادية في مصر.
لدينا خامات، لكن امتلاك الخام وحده لا يعني امتلاك الثروة كاملة.
الفرق بين أن تبيع طنًا من الخام، وأن تستخدم هذا الطن لإنتاج مادة وسيطة، ثم تحوله إلى منتج نهائي قابل للتصدير، هو الفرق بين اقتصاد استخراج واقتصاد تصنيع.
وهذا الفرق ليس بسيطًا.
عندما نصدر خامًا، فإن جزءًا كبيرًا من القيمة الاقتصادية يظل خارج مصر. أما عندما تتم عمليات المعالجة والتصنيع محليًا، فإن القيمة المضافة تتوزع على المصانع والعمالة والنقل والطاقة والخدمات الهندسية والتعبئة والتصدير، وتظهر حول المشروع صناعات أخرى لم تكن موجودة من قبل.
ولهذا فإن فكرة المجمع الصناعي أهم من فكرة المنجم نفسه.
فالمنجم يمكن أن يكون مشروعًا واحدًا، لكن المجمع الصناعي يستطيع أن يصبح منظومة اقتصادية كاملة.
وهذا ما تحتاج إليه مصر في قطاعات كثيرة، وليس التعدين فقط.
لدينا منتجات زراعية يمكن تصنيعها بدلًا من تصديرها في صورتها الأولية، ونفايات يمكن تحويلها إلى منتجات، وخامات معدنية يمكن إدخالها في صناعات كيماوية وهندسية، وموارد يمكن أن تتحول إلى سلاسل إنتاج كاملة.
لكن هناك تحديًا مهمًا.
لا يكفي أن نقول: «سنصنع بدلًا من أن نصدر الخام».
التصنيع يحتاج إلى تكنولوجيا، وتمويل، وطاقة، وبنية تحتية، وأسواق، وخبرات، والأهم مستثمرين قادرين على إدارة المشروعات الصناعية الكبيرة بكفاءة.
كما يجب ألا نقع في خطأ إنشاء مصنع للمنتج نفسه دون دراسة السوق العالمية.
القيمة المضافة لا تعني أن نصنع أي شيء، وإنما أن نصنع ما نستطيع بيعه والمنافسة به.
وهنا يصبح جذب التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي مهمًا، بشرط ألا يكون المستثمر مجرد مستخرج للخام، وإنما شريكًا في بناء صناعة محلية ونقل المعرفة وتطوير الموردين المصريين.
والفرصة الحالية أكبر مما تبدو.
فإذا نجحت مصر في تحويل قطاع التعدين إلى قاعدة لصناعات الأسمدة والكيماويات والمعادن والمواد الوسيطة، فإنها لا تزيد صادراتها فقط، بل يمكنها أيضًا تقليل واردات بعض المنتجات التي تنفق عليها عملة أجنبية.
وهنا نصل إلى المعادلة الأهم:
ليس المطلوب أن نستخرج أكثر فقط، بل أن نصنع أكثر مما نستخرج.
فكل طن خام يخرج من الأرض يجب أن يكون سؤالنا بعده: ماذا يمكن أن نصنع منه داخل مصر قبل أن يغادرها؟
إذا أصبح هذا السؤال جزءًا ثابتًا من السياسة الصناعية، فقد يتحول التعدين من قطاع يوفر خامات إلى قطاع يبني مصانع، ويخلق وظائف، ويجذب التكنولوجيا، ويولد صادرات.
وفي النهاية، الثروة الحقيقية ليست في أن نمتلك الموارد تحت الأرض.
*الثروة الحقيقية أن نمتلك القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قيمة فوق الأرض.*
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق