كتب عن
الطفل في ميزان قانون الأحوال الشخصية
ليس أخطر على المجتمعات من قانونٍ يتأخر عن الناس، إلا قانون يسبقهم بلا فهم، وقانون الأحوال الشخصية في مصر يقف اليوم على هذا المفترق الدقيق بين مجتمعٍ تغيرت بنيته، وتبدلت ضغوطه، واشتدت عليه وطأة الاقتصاد، وارتبكت فيه العلاقات، وبين نصوصٍ قانونية لم تعد قادرة، في صورتها الذهنية المتداولة أو في تطبيقها العملي، على أن تحتوي كل هذا الألم الإنساني المركب، وحين يذكر قانون الأحوال الشخصية، يظن بعض الناس أننا بصدد حديث عن الحضانة والرؤية والنفقة والطلاق فحسب، لكن الحقيقة أوسع من ذلك، فنحن أمام سؤال حضاري كامل كيف تدير الدولة انكسار الأسرة حين تعجز الأسرة عن إدارة انكسارها؟، وهذا سؤال لا يكفي فيه فقيه قانون وحده، ولا طبيب نفس وحده، ولا عالم اجتماع وحده، ولا رجل دين وحده، لأنه سؤال يتصل بالنص ويتصل أيضًا بالنفس البشرية حين تغضب، وبالطفل حين يرتبك، وبالمرأة حين تخاف، وبالرجل حين يشعر بالإقصاء، وبالمجتمع حين يخلط بين العدل والانتقام، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
ففي قضايا الأحوال الشخصية، لا يدخل الناس المحكمة وهم محايدون، يدخلونها وقد سبقهم إلى القاعة وجع قديم، ومرارة، وخيبة، وجرح كرامة، وأحيانًا رغبة خفية في الانتقام، وقلما تكون المعركة القانونية معركة على حق خالص، وكثيرًا ما تكون معركة على معنى مكسور في الداخل، ولهذا فإن أخطر ما في ملف الأحوال الشخصية ليس النصوص وحدها، بل النفوس التي تستقبل النصوص، فالنص العادل قد يتحول، في يد نفسٍ مضطربة أو منتقمة، إلى أداة ظلم، والثغرة الصغيرة في القانون قد تصبح بابًا واسعًا للتنكيل، والإجراء الذي وضع لحماية الطفل قد يستعمل لإيذاء الطرف الآخر، فيغدو الطفل نفسه هو الثمن الذي يدفعه الجميع، وهو ما نراه مع الأسف اليوم القانون واحد، ولكن هنا حالة حصلت على حقوقها وأخرى ظلمت وحرمت ولم تحصل على أي شيء.
وهنا يجب أن نقول الكلمة التي يتجنبها كثيرون، الطفل في نزاعات الأسرة المصرية كثيرًا ما يعامل بوصفه تابعًا في اللغة، وموضوعًا في النزاع، ووسيلة ضغط في الممارسة، تتنازع عليه الأيدي، بينما قلبه الصغير هو أول ما يتشقق، يقال: الحضانة لمن؟، والسؤال الأعمق: الطمأنينة عند مَن؟، يقال: من أحق بالرؤية؟، والسؤال الأصدق: من أقدر على أن يرى الطفل حقًا، لا أن ينظر إليه فقط؟، والسؤال الأهم: من يضمن ألا يشعر الطفل أن وجوده نفسه صار بندًا ماليًا في خصومة طويلة؟، إن الطفل لا يفكر بمفاهيمنا القانونية، ولا يصوغ أوجاعه بعبارات الفقهاء، الطفل يفهم العالم بطريقة أبسط وأقسى في آن، هو يشعر، في صمت، أن البيت لم يعد بيتًا، وأن الوجوه التي كان يستند إليها صارت جبهات، وأن الحب الذي كان يفترض أن يحيط به قد انقسم إلى ملفين وحكمين ومحضرين، ومن هنا فإن معيار التشريع الرشيد لا ينبغي أن يكون: من انتصر؟ الأب أم الأم؟ بل هل نجا الطفل؟ ولذلك يبدو لي أن الجدل الدائر في مصر حول قانون الأحوال الشخصية يخطئ أحيانًا حين يقدم كما لو كان مباراة بين فريقين، فريق الرجال وفريق النساء، وهذا تصوير ساذج لواقع شديد التعقيد، فهناك أب صالح مسحوق بالإجراءات، وهناك أب لا يريد من الأبوة إلا سلطة اسمية يستعملها حين يشاء، وهناك أم تفني عمرها في التربية والاحتمال، وهناك أم تجعل الطفل حارسًا لخصومتها الخاصة، وهناك قضاة ومحامون واختصاصيون اجتماعيون يتحركون داخل منظومة أكثر تعقيدًا من أن تختزل في اتهام سريع أو حماسة شعبوية.
من أجل ذلك، فإن النظر القانوني السليم يجب أن يبدأ من رفض الفكرة البدائية التي تقول لننصف طرفًا بإضعاف الطرف الآخر، لأن العدالة في الأسرة ليست غلبة، ليست بطولة ذكورية تسترد ما تراه قد سلب منها، ولا خطابًا عاطفيًا يقدس الأمومة حتى يعفيها من كل مساءلة، العدالة هنا أشد تواضعًا وأصعب أن نضع كل ذي حق في موضعه، وأن نحاصر إمكان التعسف من الجانبين، وأن نبني نظامًا يخفف الشر قبل أن يعاقب عليه، وفي تقديري، فإن أكثر مواضع الجدل حساسيةً هي الحضانة، والرؤية أو الاستضافة، والنفقة، وسرعة التقاضي، ثم الفلسفة العامة التي تحكم القانون كله، ولهذا فإن أي حديث عن سن الحضانة أو ترتيبها يجب ألا يكون مسجونًا في ثنائية مع من يكون الطفل؟ بل في سؤال أدق، أي صورة معيشية تحقق للطفل الاستقرار العاطفي والتربوي والوجداني، من غير أن تقطع صلته الصحية بالطرف الآخر.
وأما الرؤية والاستضافة، فليست خيرًا محضًا ولا شرًا محضًا، هي أداة قانونية قد تكون في بعض البيئات نافعة جدًا لإبقاء الأبوة حية في وجدان الطفل، وقد تكون في بيئات أخرى بابًا إلى توتر شديد أو مساومة خفية أو انعدام انتظام يربك حياة الصغير، المشكلة إذن ليست في الكلمة، بل في الشروط والضمانات والملاءمة، فليس من الحكمة أن نوسع الاستضافة بلا ضوابط دقيقة تراعي سن الطفل، والمسافة الجغرافية، وانتظام الدراسة، ومدى استقرار مسكن الطرف المستضيف، وسلامته النفسية والسلوكية، ومدى التزامه السابق بالنفقة والرعاية، ودرجة العداء القائم بين الأبوين، كما أنه ليس من العدل أن نختزل علاقة الأب أو الأم غير الحاضنة في ساعات جافة تدار أحيانًا كما لو كانت إجراءً تأديبيًا لا علاقة له ببناء وجدان طفل يحتاج إلى صلة حقيقية ومنتظمة ومطمئنة.
وأما النفقة، فهي في الوعي الشعبي ملف مالي، لكنها في الحقيقة ملف أخلاقي ونفسي واجتماعي أيضًا، فالنفقة ليست مجرد مبلغ يدفع، بل اعتراف مستمر بالمسئولية، والامتناع عن النفقة، حين يكون عمدًا مع القدرة، ليس مجرد مخالفة قانونية، بل نوع من التخلي المتكرر الذي يرسخ في وعي الطفل شعورًا بأنه عبء، وفي المقابل، فإن تحويل النفقة إلى سلاح ابتزاز أو إلى تقديرات منفصلة عن الواقع والقدرة والتحولات الاقتصادية، يفتح هو الآخر بابًا جديدًا للظلم والتنازع والتلاعب، وهنا لا بد من قاعدة واضحة، من أراد حقوق الأبوة أو الأمومة كاملة، فليتحمل تبعاتها كاملة، لا يصح أخلاقيًا ولا قانونيًا أن يطالب إنسان بحقوقه الوجدانية تجاه طفل، ثم يتهرب من التزاماته المادية والتربوية نحوه، كما لا يصح أيضًا أن تختزل قيمة الإنسان كأب أو كأم في قدرته المالية وحدها، العدل أن تكون هناك معايير منضبطة، سريعة، مرنة، قابلة للتنفيذ، وتراعي حقيقة الدخل والقدرة، وتمنع التحايل، وتحفظ للطفل احتياجاته الأساسية من غير إذلال أو مماطلة.
ثم تأتي سرعة التقاضي، وهي في نظري من أكثر النقاط ظلمًا للصغار والكبار معًا، فالعدالة البطيئة في هذا النوع من القضايا تكاد تكون لونًا من ألوان إنكار العدالة، لأن الزمن نفسه هنا طرف خفي في النزاع؛ وكلما طال، زادت الخسائر التي لا تعوض، ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لا يكون فقط بتعديل بعض المواد، بل بإعادة بناء الفلسفة الحاكمة للقانون، لأننا نريده منظومة لإدارة النزاع بأقل قدر من التدمير، نريده إطارًا يحمي الطفل من التحول إلى رهينة، نريد قانونًا يصاحب الحكم بآليات وساطة وتسوية ومتابعة نفسية واجتماعية حيث يلزم، إن المجتمع المصري لم يعد هو المجتمع الذي كان قبل عقود، تبدلت صورة الأسرة، وازدادت الأعباء الاقتصادية، واتسعت المدن، وضاقت الصدور، وارتفعت التوقعات، وتراجعت قدرة كثير من الناس على الاحتمال والتسامح، وإذا كان التشريع لا يرى هذه التحولات، فإنه يحكم على الورق أكثر مما يحكم في الواقع، والقانون الذي لا يرى المجتمع ينتهي غالبًا إلى أحد أمرين، إما أن يصبح قاسيًا على نحو أعمى، وإما أن يصبح رخوًا تتلاعب به المصالح والنزوات.
أما من الناحية الدينية، فإن الخطاب الوسطي الرشيد ينبغي أن يتحرر من استقطابين كلاهما مؤذٍ، استقطاب يريد توظيف الدين لتثبيت سلطة غليظة لا ترى المرأة إلا موضع طاعة، ولا ترى الطفل إلا تابعًا، ولا ترى العدل إلا من زاوية الرجل، واستقطاب آخر يتعامل مع كل بنية أسرية وكل قوامة وكل ولاية وكل فارق في الالتزامات كما لو كان بالضرورة ظلمًا تاريخيًا يجب هدمه، والحق أن الشريعة في مقصدها العميق ليست مع هذا التبسيط ولا ذاك، هي مع العدل، ورفع الضرر، وحفظ الصغير، وصيانة الروابط، ومنع التعسف، وإلزام المسئول بمسئوليته، ومن فهم الدين على أنه وقوف تلقائي مع الرجل ضد المرأة، أو مع المرأة ضد الرجل، فقد حوله من ميزان إلى راية عصبية.
ولعل ما نحتاجه في هذه اللحظة المصرية ليس مجرد قانون جديد، بل ضمير جديد في النظر إلى الأسرة حين تنكسر، ضمير يعترف أن الرجل قد يظلم، وأن المرأة قد تظلم، وأن الظلم لا جنس له، وأن الطفل غالبًا هو الحلقة الأضعف والأصدق والأقل قدرة على التعبير، ضمير يفهم أن بعض الآباء يطالبون بحق حقيقي في حضور أبوي كريم لا في زيارة شكلية، وأن بعض الأمهات لا يعترضن خوفًا من الحق، بل خوفًا من الفوضى والانتقام وعدم الاستقرار، ضمير يرفض أن يختبئ المتلاعبون خلف المقولات العامة، فيدعي كل طرف أنه يتكلم باسم الفضيلة بينما يخفي رغبة خاصة في الغلبة، إن القانون المنشود في الأحوال الشخصية ليس قانونًا رومانسيًا، بل قانون واقعي، دقيق، عادل، شديد على المتعسف أيًا كان، رحيم بالطفل دائمًا، سريع في إجراءاته، واضح في معاييره، مرن حيث ينبغي، حازم حيث يجب، ويعلم أن النص إذا لم يبنَ على فهم الإنسان كما هو، لا كما نتخيله، فإنه يتحول إلى صناعة جديدة للألم.
المستشار/بسيونى على القليني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق