في لحظة تاريخية تتشكل فيها موازين القوى من جديد، يعود سؤال قديم بثوب أكثر إلحاحًا، هل يمكن للعرب أن يتحولوا من حالة التجاور إلى حالة الشراكة الحقيقية؟ لم يعد هذا السؤال ترفًا فكريًا ولا خطابًا حماسيًا يُقال في المناسبات، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بمستقبل المنطقة ومكانتها في عالم لا يعترف إلا بالقوة.
العرب رغم اختلاف لهجاتهم وتنوع ثقافاتهم المحلية، تجمعهم هوية واحدة ضاربة في عمق التاريخ. لغة مشتركة تحمل وجدانهم، وتراث ممتد يعكس روحهم، وقضايا واحدة تشغل ضميرهم الجمعي. من الخليج إلى المحيط، لا يحتاج العربي إلى تعريف طويل بنفسه، فثمة خيط غير مرئي يربط بين الجميع، ويجعل الإحساس بالانتماء أمرًا فطريًا لا يُفرض.
هذه الوحدة لم تكن يومًا مرهونة بالسياسة أو الاتفاقات، بل كانت دائمًا أكبر من ذلك. تظهر في مواقف التضامن، في تفاعل الشعوب مع قضايا بعضها البعض، وفي ذلك الشعور العفوي بأن ما يحدث في أي بلد عربي يخص الجميع. هي وحدة وجدان قبل أن تكون وحدة حدود.
ولم يكن السلاح يومًا قادرًا على تفكيك هذه الحقيقة. قد تتغير المواقف، وقد تختلف السياسات، لكن الشعوب تبقى أقرب مما يُتصور. كل محاولة لتغذية الفرقة تصطدم بوعي جمعي يدرك أن الانقسام ليس قدرًا، بل خيار يُفرض من الخارج أو يُصنع بالخطأ، ويمكن تجاوزه.
وفي المقابل، تبدو المفارقة واضحة حين نرى كيف تُعامل بعض المجتمعات الغربية العرب، خصوصًا في الولايات المتحدة، حيث لا تزال العنصرية والتصورات النمطية تلقي بظلالها على صورة العربي. يُختزل في قوالب جاهزة، ويُنظر إليه أحيانًا بعين الريبة بدل الفهم، في تناقض واضح مع القيم التي يُفترض أنها تقوم على التنوع والقبول.
هذه النظرة لا تعكس حقيقة العرب ولا تاريخهم، بل تكشف عن أزمة في فهم الآخر. فالأمة التي قدمت للعالم إسهامات حضارية كبرى، لا يمكن اختزالها في صور سطحية أو أحكام مسبقة.
على امتداد العقود الماضية، ظل مفهوم “الوحدة العربية” أسيرًا بين نموذجين، نموذج حالم يتحدث عن دولة واحدة وحدود منفتحة بلا قيود، ونموذج واقعي متحفظ يكتفي بالتعاون المحدود. وبين هذين النموذجين، ضاعت فرص كثيرة، ليس بسبب استحالة الفكرة، بل بسبب غياب الإرادة القادرة على تحويلها إلى مشروع عملي.
اليوم، المشهد مختلف تمامًا. العالم يتجه بوضوح نحو التكتلات الكبرى. تجربة تقدم نموذجًا واضحًا لكيف يمكن لدول متباينة تاريخيًا وثقافيًا أن تخلق مساحة مشتركة تحقق من خلالها مصالحها الجماعية. وعلى الجانب الآخر، يبرز كنموذج لتحالف يقوم على التنسيق العسكري والأمني، حيث تتحول فكرة “الدفاع المشترك” إلى واقع فعلي.
في المقابل، يملك العالم العربي كل المقومات التي تؤهله لتجربة مشابهة، بل وربما أكثر نجاحًا، موقع جغرافي استراتيجي في قلب العالم، ثروات طبيعية هائلة، طاقة بشرية شابة، وسوق استهلاكية ضخمة. ومع ذلك، لا يزال هذا الكيان يعمل دون تنسيق كافٍ، وكأن كل دولة جزيرة منفصلة، رغم أن التحديات التي تواجهها متشابهة إلى حد كبير.
الأزمات الاقتصادية، على سبيل المثال، لا تعترف بالحدود. ارتفاع الأسعار، تقلبات الطاقة، البطالة، والتحديات التنموية… كلها قضايا مشتركة. ومع ذلك، يتم التعامل معها غالبًا بشكل فردي، ما يضاعف من حجم الخسائر ويقلل فرص الحل. في حين أن التكامل الاقتصادي – عبر سوق عربية مشتركة، وتسهيل حركة التجارة، وتوحيد بعض السياسات – يمكن أن يحول هذه التحديات إلى فرص.
الأمر نفسه ينطبق على القضايا السياسية والأمنية. المنطقة العربية واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضًا للتوترات، سواء كانت صراعات مباشرة أو حروب بالوكالة. وفي عالم تتشابك فيه المصالح الدولية، تصبح الدول الأقل تنسيقًا أكثر عرضة للضغط والتأثير الخارجي. الوحدة هنا لا تعني الذوبان، بل تعني القدرة على التفاوض من موقع قوة، بدلًا من التشتت الذي يضعف الجميع.
لكن الحديث عن الوحدة لا يكتمل دون مواجهة الحقيقة الأصعب.. العائق لم يقف يومًا على الفكرة، بل في التطبيق، الخلافات السياسية، تضارب المصالح، غياب الثقة، والخشية من فقدان السيادة… كلها عوامل عطلت أي مشروع عربي جاد. أضف إلى ذلك تراكمات تاريخية لم يتم تجاوزها بشكل حقيقي، ما جعل كل محاولة للوحدة تبدأ بحماس وتنتهي بتراجع.
ومع ذلك، فإن الواقع الحالي يفرض إعادة التفكير. لأن الاستمرار في نفس النهج لم يعد خيارًا آمنًا. العالم لا ينتظر المترددين، والتحولات الجارية سريعة إلى درجة أن التأخر في اتخاذ القرار قد يعني فقدان فرص لا تتكرر.
الوحدة العربية، بصورتها الحديثة، لا يجب أن تُفهم ككيان سياسي واحد بقدر ما هي شبكة مصالح مترابطة. يمكن أن تبدأ بخطوات عملية، تكامل اقتصادي تدريجي، مشاريع مشتركة في الطاقة والبنية التحتية، تنسيق في السياسات التعليمية والتكنولوجية، وتطوير آليات فعالة للتعاون الأمني. هذه الخطوات، وإن بدت بسيطة، قادرة مع الوقت على بناء ثقة حقيقية تفتح الباب لمستويات أعمق من التعاون.
الأهم من ذلك، أن هذه الوحدة يجب أن تُبنى على أساس المصالح المشتركة، لا الشعارات. لأن الشعارات وحدها لا تصمد أمام الاختبارات الواقعية، بينما المصالح المتبادلة تخلق التزامًا حقيقيًا بالاستمرار.
وفي ظل تصاعد الخطابات العنصرية ضد العرب في بعض الدول الغربية، خصوصًا في الولايات المتحدة، تتجلى أهمية هذا التماسك أكثر من أي وقت مضى. حين يُنظر إلى العرب ككتلة واحدة في الخارج – أحيانًا بشكل سلبي ومشوَّه – يصبح من المنطقي أن يتحول هذا “التصنيف المفروض” إلى مصدر قوة، لا نقطة ضعف. الوحدة هنا ليست فقط مسألة داخلية، بل أيضًا وسيلة لتحسين الصورة والدفاع عن المصالح على الساحة الدولية.
في النهاية، لا يمكن إنكار أن الطريق نحو وحدة عربية حقيقية ليس سهلًا. هو طريق مليء بالتحديات، ويتطلب قرارات جريئة، وتنازلات متبادلة، ورؤية طويلة المدى. لكنه في الوقت نفسه، الطريق الأكثر عقلانية في عالم يتغير بسرعة.
هل حان الوقت؟
ربما لم يعد السؤال دقيقًا. لأن الوقت لا ينتظر أحدًا.
السؤال الأهم الآن هل نملك الشجاعة لنبدأ؟
لست متشائما بطبعي، ولكن استقرائي للأحداث يجعل هذا التقارب بالنسبة لي دربا من دروب الخيال. فالتجارب السابقة، وما شهدته من تعثرات متكررة وخلافات متجذرة، تلقي بظلال من الشك على إمكانية تحقق هذا الحلم في المدى القريب، حتى ترسخت العبارة التي طالما ترددت في كواليس مؤتمرات القمة العربية: "اتفق العرب على ألا يتفقوا".
ردحذفومع ذلك، لا يسعني إلا أن أتمنى أن يكذب الواقع هذا التصور، وأن تنجح الإرادة العربية يوما في تجاوز الحسابات الضيقة وبناء شراكة قائمة على المصالح المشتركة والثقة المتبادلة. فالوحدة العربية، وإن بدت بعيدة اليوم، تظل أملا مشروعا لا ينبغي التخلي عنه، بل العمل لأجله بعقلانية وإصرار، لعل المستقبل يحمل ما يعجز الحاضر عن تحقيقه.