في لحظة غياب الصوت، تظهر حقيقة الفكرة.
هذا ما يضعنا أمام السؤال الأكثر إلحاحًا بعد ارتباط “نظام الطيبات” باسم ضياء العوضي،
هل “الطيبات” فكرة قادرة على أن تعيش بذاتها؟
أم أنها كانت تعتمد—بشكل أساسي—على طريقة شرحها؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها كاشفة، هناك أفكار تعيش لأنها قوية في جوهرها؛ واضحة، مرنة، قابلة للتطبيق حتى لو اختلفت الأصوات التي تشرحها.
وهناك أفكار أخرى، تبدو قوية… لكنها في الحقيقة "مرتبطة بالصوت" أكثر من ارتباطها بالمضمون.
تنجح لأنها قُدمت بشكل جذاب، مباشر، ومقنع… لا لأنها مكتملة من الداخل.
“الطيبات” كانت تبدو بسيطة جدًا
تصنيف مباشر فيه “طيب”… وفيه “مش طيب”.
وبينهما مساحة رمادية صغيرة اسمها “طيب أحيانًا”… كأنها استثناء إنساني داخل نظام صارم.
لكن هذه البساطة كانت خادعة، لأن هذا التصنيف—رغم سهولته—خلق عالمًا شديد التعقيد، طبقك العادي البيسط لم يعد مجرد وجبة، بل أصبح قرار يحتاج إلى ما يشبه “محكمة تفتيش”.
هل هو طيب؟ إذن كُل وانت متطمن.
طيب أحيانًا؟ كُل… لكن بحذر.
مش طيب؟ الأفضل أن تشعر ببعض الندم… احتياطيًا.
بهذا الشكل، يتحول الأكل من احتياج طبيعي إلى “اختبار يومي للالتزام”.
لم يعد السؤال ماذا نأكل؟
ولكن كيف نشعر تجاه ما نأكله؟
المشكلة هنا ليست في محاولة تنظيم الاختيارات—فهذا مطلوب—
لكن في تحويلها إلى تصنيفات حادة، توحي بأن الحياة يمكن اختزالها في قائمة ثنائية صح أو خطأ.
ومع الوقت، يبدأ هذا النظام البسيط في التفرّع
ما هو “طيب” عند شخص، قد يكون “طيب أحيانًا” عند آخر.
وما هو “مش طيب” في موقف، قد يصبح مقبولًا في ظروف مختلفة.
فتظهر الحاجة الدائمة للشرح، والتفسير، وإعادة ضبط القواعد باستمرار.
هل كل ما صُنّف “غير طيب” يجب تجنبه دائمًا؟
هل الظروف لا تُغيّر الأحكام؟
هل الاختلافات الفردية لها مكان في هذا النظام؟
هنا يظهر التحدي الحقيقي
الفكرة التي لا تملك آلية داخلية للإجابة عن هذه الأسئلة، تظل معلّقة… تنتظر من يفسرها.
وهنا نعود إلى السؤال الأساسي، أي فكرة تعتمد على هذا القدر من التفسير المستمر، هل يمكن أن تعيش وحدها؟
أم أنها كانت تحتاج دائمًا إلى الصوت الذي يشرحها، ويمنحها مرونتها غير المكتوبة؟
لكن التوقف عند الفكرة وحدها لا يكفي، رحل صاحب الصوت، وبقيت خلفه عاصفة من الجدل.
والحقيقة أن اختزال المشهد في الهجوم أو الدفاع عن الشخص هو تسطيح للأزمة.
فنحن لا نتعامل مع فرد، بل مع ظاهرة؛ مع “فكرة” نبتت في تقاطع معقّد بين ثلاثية عجيبة مكوناتها، سيكولوجية الإنسان، وقصور المؤسسة، وتوحّش الخوارزمية.
"روشتة" العبث..
نوتيلا وسكر ومقاطعة الخضار..
لفهم كيف صعدت هذه الفكرة، يجب أن ننظر إلى ما كانت تبيعه للناس فعلياً، لم يكن "نظام الطيبات" مجرد حمية غذائية، بل كان انقلاباً كاملاً على كل أبجديات الطب والمنطق، عبر وصايا تبدو وكأنها قادمة من عالم موازٍ، أبرزها:
"افطروا نوتيلا بدل الفول"، دعوة صريحة لاستبدال البروتين النباتي بقنابل من السكر والدهون المصنعة.
"اشربوا عصاير معلبة وبلاش مياه" ضربة قاضية لأساس الحياة وصحة الكلى، لصالح مواد حافظة وسكريات مركزة.
"السكر الأبيض صحي.. لحد ربع كيلو يومياً" تصريح كارثي ينسف عقوداً من التحذيرات الطبية حول أضرار السكر الأبيض.
"منع الفاكهة والخضار والورقيات" وهنا ظهرت المقولة الأشهر بأن الخس والجرجير "أكل حيوانات"، ليُحرم المريض من أهم مصادر الفيتامينات والألياف.
"التدخين عملية تنفس طبيعي" تبرير غير مفهوم لعادة قاتلة تدمر الرئتين.
الطب المريح" وبيع صكوك الغفران، السر لم يكن في الجهل فقط، بل في "الراحة". الطب الكلاسيكي ثقيل ويطالب بالمقاومة والانضباط. جاء العوضي ليقدم الخلاص المريح، كلوا السكر والنوتيلا واتركوا الخضار. لقد دغدغ مشاعر المريض الذي أرهقه الحرمان، ومنحه "صك غفران" يشرعن شهواته ويحرره من عقدة الذنب تجاه نظامه الغذائي.
الفراغ الطبي والبرج العاجي تركت المنظومة الطبية الكلاسيكية فراغاً إنسانياً هائلاً. المريض الذي لا يجد من يستمع إليه في العيادات المزدحمة، ولا يجد طبيباً ينزل لمستوى فهمه ويتحدث بلغة الشارع، يقع فريسة لمن يجلس خلف الكاميرا لساعات يمارس "الاحتواء الزائف". الفكر الخرافي لا ينمو إلا حين ينسحب العلم الحقيقي بجموده وتعاليه عن النزول للناس.
هنا لم تعد المشكلة في الأكل… بل في الشعور المرتبط به.
فبدلًا من الصراع مع الرغبات، جاء خطاب يرفع الحرج، ويمنح إحساسًا فوريًا بالراحة، وكأنك حصلت على “تصريح” يبرئك من تأنيب الضمير.
ثانيًا لماذا صدّق الناس هذا الخطاب؟
المريض الذي لا يجد وقتًا أو شرحًا كافيًا، ولا يسمع لغة يفهمها، يبحث عمّن يقدّم له تفسيرًا بسيطًا… حتى لو كان مبالغًا فيه.
في هذا الفراغ، تنمو هذه الأفكار.
ليس لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها “مفهومة” وقريبة وبسيطة.
الفكر المشوش لا ينتشر في حضور العلم القوي…
بل في غيابه أو تعاليه.
الإجابة تكمن في فجوة حقيقية داخل المنظومة الطبية
ثالثًا الخوارزمية… حين يتحول الطب إلى سلعة معروضة في سوق التريند
في زمن السوشيال ميديا، لم يعد معيار النجاح هو دقة المعلومة، بل قدرتها على إثارة الانتباه.
الجملة الهادئة لا تنتشر… لكن الجملة الصادمة تفعل.
فيصبح المتلقي ليس مريضًا يبحث عن شفاء، بل “رقمًا” في معادلة التفاعل.
ففي عالم السوشيال ميديا، المقياس هو "الضجيج". القول بأن "التفاح مفيد" لن يجلب مشاهدات، لكن إعلان أن "الفراخ والبيض بيجيبوا كوابيس" هو الوقود الذي يحرق الخوارزمية ويصنع التريند. تحول الطب من علم إلى "محتوى"، وأصبح المريض مجرد "رقم تفاعل" في ماكينة تسويقية تبيع الوهم، وتتحولت المعلومة من وسيلة للفهم إلى أداة للانتشار.
وهنا نعود إلى جوهر السؤال الأصلي للمقال
هل كانت “الطيبات” فكرة مكتملة بما يكفي لتقف وحدها؟
أم أنها كانت بحاجة دائمة إلى العوضي دائما ليشرحها؟
ربما الإجابة لا تخص هذا النظام وحده…
بل تخصنا نحن.
هل نبحث عن أفكار نفهمها ونطوّرها؟
أم عن نظام مريح جاهز نلتزم به دون نقاش؟
لأن الفرق بين الاثنين…
هو الفرق بين فكرة تعيش، وأخرى تظل دائمًا في انتظار من يشرحها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق