الاثنين، 20 أبريل 2026

طاحونة آل جقنة بأولاد علي.. ذاكرة القمح والماء وصافرة رمضان

في قلب قرية أولاد علي التابعة لمركز المنشاة بمحافظة سوهاج ، تقف في الذاكرة قبل المكان طاحونة غلال آل جقنة ، ذلك المعلم التراثي الفريد الذي لم يكن مجرد آلة لطحن الحبوب ، بل كان شاهدًا حيًا على مرحلة مضيئة من تاريخ الريف المصري ، حين كانت البساطة تمتزج بالابتكار ، وكانت خدمة الناس عنوانًا للمكان وأهله.
لقد مثّلت هذه الطاحونة، في زمنها ، الأولى من نوعها من حيث الطراز والحجم ونظام التشغيل على مستوى محافظة سوهاج ، وهو ما منحها مكانة خاصة في وجدان أبناء القرية والنجوع المجاورة.
فلم تكن تؤدي وظيفة واحدة ، بل جمعت بين رفع المياه من باطن الأرض لري الأراضي الزراعية ، وطحن الغلال والمحاصيل لأهالي أولاد علي وما حولها ، لتصبح بحق شريانًا نابضًا بالحياة الزراعية والاقتصادية في المنطقة.
كان المزارعون والاهالي يقصدونها محمّلين بمحاصيل القمح والذرة والشعير ، فتتحول ساحة الطاحونة إلى مشهد يومي ينبض بالحركة ، تختلط فيه أصوات حجر الطحن بأحاديث الرجال ، ورائحة الدقيق بعبق الأرض الطيبة ، في صورة راسخة من صور الريف المصري الأصيل.
غير أن ما منح طاحونة آل جقنة خلودها الحقيقي في ذاكرة الأهالي ، لم يكن الطحن ولا استخراج المياه فحسب ، بل صافرتها الشهيرة التي ارتبطت بليالي شهر رمضان المبارك.
ففي زمنٍ سبق دخول الكهرباء إلى أولاد علي ، وقبل ظهور مكبرات الصوت ووسائل التنبيه الحديثة ، كانت صافرة الطاحونة تقوم بدور اجتماعي وروحي بالغ الأثر؛ إذ تنطلق قبل الفجر لتوقظ أهل القرية ونجوعها للسحور ، فيهب الناس من نومهم على صوتها المميز ، وكأنها مسحراتي القرية الذي لا يخطئ موعده.
ثم تعود الصافرة نفسها عند غروب الشمس ، معلنةً للأهالي أن وقت الإفطار قد حان ، فيلتف الناس حول موائدهم على صوتٍ أصبح جزءًا من روح رمضان وذاكرة البيوت.
لقد تجاوزت هذه الطاحونة وظيفتها الميكانيكية لتصبح رمزًا للترابط الاجتماعي ، وعلامة من علامات الهوية التراثية لقرية أولاد علي ، بما حملته من ذكريات مواسم الحصاد ، وليالي السحور ، وأصوات الأجداد التي لا تزال حاضرة في وجدان الأبناء والأحفاد.
إن الحديث عن طاحونة آل جقنة ليس حديثًا عن مبنى قديم أو آلة توقفت عن الدوران ، بل هو حديث عن صفحة ناصعة من تاريخ القرية ، وعن عبقرية الأجداد في توظيف العلم لخدمة الأرض والإنسان ، وعن زمن كانت فيه الآلة تخدم الروح كما تخدم الزراعة.
وستظل طاحونة آل جقنة ، بما تمثله من قيمة تاريخية وتراثية ، أيقونة من أيقونات قرية أولاد علي ومركز المنشاة ومحافظة سوهاج ، تستحق أن تُوثق للأجيال القادمة ، حتى يبقى صوت صافرتها حاضرًا في الذاكرة ، شاهدًا على زمنً لا يُنسى .
✍🏻 / عمر ماهر أبو دقنة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot