ذهاب
قصه قصيره بقلم سهام عوض الله
في احد محطات القطار في بلدنا الريفي البسيط جلست نهى بجوار حلم عمرها ورفيق دربها القادم ينتظران خارج المحطه على تلك المياه المنسابه من الجدول الصغير الذي تحول امام اعينهم الى شاشه عرض سينمائي يعرض فيها مجموعه من المشاهد الحياتيه المقبله او بالاحرى تلك الامنيات التي نسجت بين قلبيهما في تلك اللحظه كان الصمت ابلغ من اي حديث الى ان. كسر محمد هذا السكون بنظره دافئه عانقت عيني نهى ثم اقترب منها وتحدث بصوت خافت يشبه همس النسيم
نهى :- هل تدركين ان الشمس الذاهبه في السماء لا تضيء عتمتي بقدر بريق عينيك فانت القصيده التي طالما بحثت عن كلماتها احمرت وجنتي نهى خجلا و ارخت براسها قليلا ثم رفعت بصرها اليه بابتسامه تذيب الجليد قائله بصوت عذب محمد كلماتك تجعلني اطير فوق الغيم و جعلتنى اطوق ليوم زفافنا الذي نصبح فيه روحا واحده مد يده بلطف ليمسك بكفها فشعر بدفء ينساب الى قلبه و بنبره مليئه بالوعود الصادقه اجابها اعدك يا اميرتي باني لست ارعاك فقط بل ساجعل من كل يوم في حياتنا كتابا جميلا نكتبه معا لم يقطع همسهما معا سوى صوت عجلات القطار ايذانا بالرحيل هذا الرحيل المشوب بالرغبه في العوده سريعا فمحمد مسافر الى وحدته العسكريه ليترك بامانيه باب قائده ليقدم له طلب الاجازه ولكنها ليست اي اجازه انها اجازه زفاف كم سبقت احلامه واحلامها بالزفاف السعيد والحياه الجميله التي قام بترتيبها بدقه وما ان عادت نهى الى بيتها دخلت حجرتها و استرخت على سريرها واخذت تلك المخده التي لا تفارق حضنها طوال ايام العشق والتمني واحاطت بها جدران الغرفه بصمت مطبق الغريب هذا الصمت الغريب الذي لم تعهده من قبل كانما رحل صخب الحياه كلها مع خطا محمد ونظرت الى كفيها اللذان ما زال يحتفظان بدفء يده وشمت في ثنايا روحها بقايا عطر الياسمين الذي امتزج بانفاسه وداعا يواسيها هذه المره ان غيابه ليس جفاء بل هو خطوه اخيره لترتيب ملامح عمرها المشترك وبدايه لعهد لا فراق بعده وفي اليوم التالي كانت البيت يعج بحركه لا تهدا ترسم على وجوه الجميع علامات بهجه في غرفتها كانت نهى محاطه بشقيقتها وصديقاتها يتبادلان الضحك و الهمسات بينما يرتفع بينهما فستان الزفاف الابيض في ركن الغرفه كانت تلمس قماشه الدانتيل برفق وتشعر بنبضات قلبها تتصارع مع كل ثانيه تقترب بها من محمد ؛ الاب خرج يوزع دعوات الفرح الانيق المطليه بماء الذهب على الاهل والاحباب بينما الام انشغلت بترتيب مملكه ابنتها الجديده واعداد اطباق الحلوى التي ستوزع على المهنئين كل شيء ينبض بالحياه وكل ركن من اركان المنزل يعزف لحنا جميلا للاستعداد لليله العمر في تلك الاجواء المبهجه انتبهت نهى فجاه الى صوت المذيع ينبعث من شاشه التلفاز في ركن الصاله ليتسلق عليها وجوم مفاجئ كان خبر عاجل يتحدث بنبره حاده عن هجوم ارهابي غادر استهدف احدى النقاط العسكريه في المنطقه التي يخدم بها محمد تجمدت الدماء في عروقها وشعرت برعشه عنيفه اجتاحت جسدها بالكامل انقبض قلبها بشده وخانتها قدماها فلم تقوى على الوقوف لتسقط جاسيه على ركبتيها وهي تحدق في الشاشه بزهول وكانها شعرت ان القدر يخطط في تلك الاثناء سطر اخر خلف تلال الغباب وراحت في شرود لم يقطع شرودها سوى صوت صديقتها وهي تقول لها انهض يا نهى لنذهب الى الخياطه لتضبط لك ملابس الزفاف خرجت نهى مع صديقتها وعند عودتها الى المنزل سمعت صرخات مدويه جرت مهروله ودخلت المنزل وجدت امها مغمى عليها وصراخ من شقيقاتها واعز اصدقائها وهي تردد لا اله الا الله وهي لا تعلم ماذا حدث حاولت السؤال والاستفسار عن سبب البكاء الهستيري لم يميز غير كلمه واحده محمد يا نهى قالت ما له محمد ما له محمد اتجهت صديقتها الى التلفاز وقامت بتشغيله فوجدت على الشاشه صوره لتلك الضابط التي احبته وحلمت به في كل لحظه ولكن الصوره عليها شريط اسود وقد طالته يد الارهاب الاسود والمذيع ينعي حبيبها بقوله بسم الله الرحمن الرحيم"" لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون"" صدق الله العظيم
في هذه السطور، يتجلى الفقد في أبشع صوره؛ حيث يتحول حلم الفستان الأبيض بغتةً إلى سوادٍ يكسو الروح قبل الشاشة. هو الموت الذي يجيء غدرًا ليغتال فرحةً لم تكتمل، ويغرس في قلب "نهى" غصةً لا تمحوها الأيام.
ردحذفبأسلوبٍ مؤثر، يضعنا النص أمام تلك الصدمة الخاطفة؛ حيث تحول شرود الحب والأمل إلى ذهول الفجيعة. لقد زُفّ حبيبها إلى السماء شهيدًا قبل أن يُزفّ إليها، لتظل كلمات التعزية الإلهية {بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون} هي البلسم الوحيد لقلبٍ طعنه الإرهاب في أعز ما يملك.
نصٌّ يقطر حزنًا، ويختصر ببراعة مأساة وطنٍ بأكمله في دمعة عروس.