كانت "أنعام" تقف في شرفة شقتها الضيقة بعمائر المهاجرين في "أخمين" تحمل في يدها إبريق الشاي، وفي الأخرى قطعة خبز تحاول أن تسكّن بها جوع أبنائها الثلاثة قبل الذهاب للمدرسة.
الجو حار والنسيم بالكاد يمرّ مِن بين الجدران الأسمنتية.
في ذلك الصباح الرمادي طرق "ساعي البريد" الباب.
لم يكن معتادًا على المجيء، فالأم لا تنتظر أحدًا، ولا ترسل رسائل لأحد.
فتحت الباب وفي عينيها سؤال لم يُطرح.
أعطاها ساعي البريد ظرفًا ممهورًا بشعار المدرسة، وعليه ختم البريد مِن محافظة "أسيوط"انقبض قلبها.
خطت نحو الطاولة الخشبية الصغيرة جلست،و مزّقت الظرف بيدين مرتجفتين، وبدأت تقرأ:
"حضرة السيدة المحترمة/ "أنعام…
نحيطكم علمًا بأنه قد وقع حادث مؤسف داخل المدرسة، حيث تعرضت ابنتكم/ "سحر رفاعي أبو بكر" للتعدي بالضرب مِن قبل المعلمة "حميدة"، مما أدى إلى إصابة في الرأس وبعض الخدوش وقد تم إتخاذ اللازم مِن قبل إدارة المدرسة، وتقديم الإعتذار لسيادتكم…"
توقّفت "آنعام" عن القراءة، شعرت بطنين في رأسها، وكأن الدنيا كلها بدأت تميل مِن تحت قدميها.
وضعت يدها على فمها، ثم على قلبها وهمست:
ــ "يا إبنتي… كم اوجعني قلبي عليكِ يا "سحر"
لم تنتظر حتى يعود الأولاد مِن المدرسة.
أغلقت الباب على عجل، ارتدت جلبابًا قديمًا، ولفّت طرحتها السوداء فوق رأسها، ثم حملت شنطة يدها ومضت نحو الموقف للذهاب إلى محافظة "أسيوط".
كان الطريق إلى قرية الحاجة "حسنة" طويلاً يتخللها قلوب مِن خوف.
في كل هزة مِن العربة القديمة، كانت عيناها تمتلئان بدموع لم تنزل بعد، وكأنها تستعد للقاء مع الحقيقة التي لا يُراد تصديقها.
طوال الطريق كانت تهمس لنفسها:
ــ "ماذا حدث.....؟
كيف للمعلمة أن تتعدى بالضرب على "سحر" بهذا الشكل ..؟
و لماذا لم يخبرني أحد بما حدث يومها...؟
ما هذه القسوة ....؟"
حين وصلت كانت الشمس قد بدأت تميل، والغبار يتصاعد مِن الأرض كلما مرّ طفل يركض أو امرأة تغلق باب دارها.
طرقت باب الحاجة "حسنة" فخرجت الحاجة حسنة مذعورة: ــ "آنعام..!
ما بكِ...؟
ما الذي أتى بكي في هذا الوقت ...؟
هل حدث شيئاً.....؟
ردت "آنعام" على الحاجة "حسنة"
ــ أين ابنتي "سحر" يا أمي...؟
دخلت "سحر" وهي تتلفّع بعباءتها تجرّ خطواتها على الأرض، وعينها اليمنى ما تزال حمراء، وأثر الورم في جبهتها لم يزل طريًا ولم يشفى بعد.
ركضت "أنعام" نحوها احتضنتها بقوة، ثم أبعدتها لتنظر في وجهها:
ــ "مٓن فعل فيك هذا..؟
هل أنتِ بخير يا ابنتي..؟"
هزّت "سحر" رأسها وبدأت تبكي
فهمت الأم أن لا شيء يُقال
فالعين قالت، والبكاء شهد.
جلست "أنعام" في صمت، وهي تمسح رأس ابنتها بلطف.
كان قلبها ينزف على "سحر" أسفاً لما حدث.
كل ما في داخلها كان يصرخ، لكن فمها بقي مغلقًا خوفًا مِن أن تنفجر وتؤذي مٓن حولها.
في اليوم التالي ارتدت "أنعام" أفضل ما تملك، وربطت شعرها بدقة و وضعت طرحتها على رأسها، ثم ذهبت إلى المدرسة.
وقفت في مكتب المدير، و وضعت الخطاب على الطاولة: ــ
"أنا لم ءأتي لآخد حق "سحر" لكنني… أتيتُ لأفهم هكذا تفعلون بالأمانات هذه الطلاب أولادكم وأمانة في أعناقكم تسألون عليها أمام "الله تعالى" وتحاسبون عليها، فماذا فعلت طفلة مثل "سحر" لتتعدى عليها معلمة بالضرب المبرح بهذه الصورة الشنيعة....؟"
لم يستطع المدير الرد عليها غير أنه قال معتذرًا، متفهمًا، وشرح لها أنه اتخذ ما يلزم، وتم معاقبة المعلمة "حميدة" وإبعادها عن الفصل، بل وتحويلها للتحقيق الإداري مِن قبل المدرسة.
لكن الأم لم تكن تبحث عن تحقيقات.
كانت تبحث عن كرامة طفلتها، وعن الأمان.
خرجت مِن المدرسة وفي صدرها نار، وفي يدها يد "سحر" الصغيرة، تمسك بها كمن يمسك روحه.
قالت لها وهي تسير معها:
ــ "أنتِ قوية ولم يقدرعليكِ أحد يا "سحر" ستظلي واقفة، و سوف تتعلمين وتجتهدين لتصبحي قامة في المجتمع ولكى مكانة مرموقة، وتصبحين شيئاً كبيراً في يوماً من الأيام .
رغماً عن انف مٓن يكرهك و حاقداً لكِ ."
إياكِ يا "سحر" أن تهتز ثقتك بنفسك في يوم بسبب حقد أحد لكِ، وأعلمي أن المجتهد والناجح هو مِن يحارب مِن الجميع دائماً.
وفي عين الطفلة "سحر" كان هناك سؤال لم يُسأل، لكن فيه إيماناً جديد يتكوّن.
بأن هناك مٓن يقف خلفها، وأنها لم تُترك وحدها في مواجهة هذا العالم القاسي.
كانت تلك الحادثة أول دروس "سحر" في أن الطفولة لا تعني الحماية دائمًا، لكنها قد تكون بداية وعيٍ مبكرٍ بأن الإنسان لا يُنتزع مِن ضعفه إلا بمن يحبّه حقًا. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق