بقلم: أحمد المهدي صفوت
لم يعد الحديث عن تدهور منظومة التعليم الإعدادي مجرد انطباعات فردية أو شكاوى عابرة، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه بقوة على المشهد التعليمي في مصر، بعدما تعرضت هذه المرحلة الحساسة إلى تراجع ممنهج أسهمت فيه قرارات إدارية خاطئة، وسلوكيات فاسدة، وثقافة مجتمعية اختزلت التعليم في رقم على ورقة امتحان.
تُعد المرحلة الإعدادية حجر الأساس في تشكيل وعي الطالب العلمي والأخلاقي، إلا أن سياسات القبول في بعض المدارس الفنية، وعلى رأسها مدارس التمريض بنظام الثلاث سنوات، حولت العملية التعليمية إلى سباق محموم نحو المجموع فقط، دون اعتبار لمهارات الطالب أو ميوله أو قدراته الحقيقية. هذا التحول فتح الباب واسعًا أمام ممارسات مشوهة، كان أبرزها انتشار الغش الجماعي كوسيلة للوصول إلى الدرجات المرتفعة بأي ثمن.
لم يعد الغش سلوكًا فرديًا معزولًا، بل تحول في بعض اللجان إلى منظومة متكاملة، يشارك فيها طلاب، ويتغاضى عنها بعض الملاحظين، بل ويتورط فيها أحيانًا أفراد مكلفون بتأمين اللجان، في مشهد يعكس خللًا خطيرًا يتجاوز التعليم ليصل إلى منظومة القيم والانضباط المجتمعي. ومع تصاعد الضغوط على الطلاب وأولياء الأمور، أصبحت لجان الامتحانات ساحات توتر وصدام، تشهد مشاجرات ومعارك لفظية وجسدية، في صورة بعيدة تمامًا عن قدسية العملية التعليمية.
المشكلة لم تعد فقط في قرار أو تنسيق أو نظام قبول، بل في ثقافة رسخت فكرة أن النجاح لا يتحقق بالاجتهاد، بل بالتحايل. ومع غياب آليات تقييم عادلة تقيس المهارات الحقيقية، أصبح المجموع هو المعيار الأوحد، ما أدى إلى تهميش القيم التعليمية الأصيلة وتحويل المدرسة إلى مجرد محطة عبور للحصول على شهادة.
إن إنقاذ التعليم الإعدادي يتطلب مواجهة شاملة تبدأ بإعادة النظر في سياسات القبول التي تعتمد على الدرجات فقط، وتفعيل رقابة صارمة على اللجان الامتحانية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تسهيل الغش أو التلاعب بمستقبل الطلاب. كما يحتاج الأمر إلى إعادة بناء الثقة بين المدرسة والأسرة، وترسيخ ثقافة الاجتهاد الحقيقي بدلًا من ثقافة التحايل.
فالتعليم لا ينهار بقرار واحد، لكنه قد يُقتل بسلسلة من الإهمال والتواطؤ والصمت. وإذا لم تُتخذ خطوات جادة وسريعة، فإن المرحلة الإعدادية ستظل ساحة مفتوحة للفوضى، وسيبقى الطالب هو الضحية الأولى لمنظومة فقدت بوصلتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق