السبت، 14 فبراير 2026

لماذا نختبئ خلف أقنعة الكمال بينما العالم ينتظر عيوبنا؟


في إحدى زوايا مترو الأنفاق المزدحم، جلست فتاة تضع سماعات الأذن. لم تكن تستمع إلى الموسيقى، بل كانت تختبئ من العالم. عيناها تحدقان في الفراغ، وفي رأسها فيلم يعاد عرضه للمرة الألف: ذلك الموقف المحرج في الاجتماع الصباحي عندما تلعثمت في كلمة واحدة. تلك اللحظة التي لم تجد رداً مناسباً على نكتة زميلها. ذلك اليوم الذي نسيت فيه موعداً مع صديقة.

نحن نعيش في عصر "الجميلات النائمات". كل منا ينام نوماً عميقاً في قصة حياته، مقتنعاً أنه الوحيد الذي يتعثر، والوحيد الذي يمتلك عيوباً، والوحيد الذي يشعر بالخوف. ننظر إلى الآخرين من خلال نوافذ وسائل التواصل الاجتماعي المزينة بأضواء الكريسماس الدائمة، فنرى فقط الابتسامات المثالية، والأطباق المرتبة بطريقة فنية، والإجازات الأحلامية.

لا نرى الغسيل المتسخ خلف الكواليس. لا نرى لحظات البكاء في الخفيه والانهيار  المؤلم  لا نرى الفوضى الحقيقية التي تميز كوننا بشراً.

العيب الذي أصبح ميزة أتذكر فيلم "الجميلة النائمة" الكلاسيكي؟ الأميرة نامت بسبب لعنة. أما نحن، فننام بسبب لعنة الكمال. نخاف أن نصحو فنرى حقيقتنا، أو الأسوأ، أن يرانا الآخرون على حقيقتنا. فنتجمد في أماكننا، نرتدي أقنعة الجلد السميك، نخفي تحت كل قناع عيباً نعتقد أنه سيدمر صورتنا.

لكن المفارقة العجيبة أن أكثر اللحظات إنسانية في حياتنا هي لحظات ضعفنا. أكثر اللحظات التي تلمس قلوب الآخرين هي عندما نجرؤ على إسقاط القناع.

قبل سنوات، في محاضرة جامعية، دخل أستاذ عجوز يجر قدميه. كان يدرّس مادة "فن التواصل". بدأ المحاضرة بصمت طويل، ثم قال: "أنا لا أرى جيداً، وأسمع بصعوبة، وأعاني من رعشة في يدي تمنعني من الكتابة بخط واضح. هل تريدون مني أن أتظاهر بأني بخير، أم تسمحون لي بأن أكون حقيقياً معكم؟"

في تلك اللحظة، حدث السحر. تحول صمت القاعة من صمت الجمود إلى صمت الانبهار. هذا الرجل لم يقدم لنا نظرية في التواصل، بل عاشها. أعطانا الإذن بأن نكون حقيقيين، فانفتحت قلوبنا له كما لم تنفتح لأستاذ قبله.

الجمال في الصدوع الحياة لا تشبه معارض السيارات الجديدة اللامعة. الحياة تشبه البيوت القديمة: فيها جدران متشققة، وأصوات صرير في الليل، وزوايا مهملة. لكنها بالضبط تلك الصدوع التي تسمح بدخول الضوء.

عندما نجرؤ على إظهار شروخنا، نكتشف شيئاً مذهلاً: الآخرون ينتظرون هذا الإذن بالضبط. ينتظرون من يقول لهم "أنا لست مثالياً" حتى يتنفسوا الصعداء ويقولوا "وأنا أيضاً".

في تجربة اجتماعية طريفة، طُلب من مجموعة من الناس أن يقفوا ويتحدثوا عن إنجازاتهم. كان الجميع متوترين، يعدّون كلماتهم بدقة. ثم طُلب من شخص أن يتحدث عن أكبر إخفاقاته. تغير الجو تماماً. اقترب الناس منه، تلامسوا، ضحكوا معاً، بل وبدأوا يتبادلون قصص الإخفاقات بحماس لم يظهر أثناء الحديث عن الإنجازات.

العودة إلى الحياه  ان تستيقظ من نوم الجميلات يعني أن تواجه الحقيقة: أنت لست مثقفاً بما يكفي، ولست وسيماً كما تظن، وربما لست ذكياً بالقدر الذي تعتقد. وهذا رائع! لأنها البداية الوحيدة للنمو الحقيقي.

أن تكون حقيقياً هو أخطر استثمار يمكن أن تقوم به. نعم، قد يرفضك البعض. نعم، قد تخسر بعض العلاقات الزائفة. لكنك ستربح ذاتك أولاً، وستربح علاقات حقيقية مع أناس يحبونك لعيوبك قبل مزاياك.

في النهاية، العالم لا يحتاج إلى جميلات نائمات أخريات. العالم يموت جوعاً إلى شخص حقيقي واحد. شخص يقول: "أنا لست بخير دائماً، أنا خائف أحياناً، أنا مرتبك معظم الوقت، لكنني هنا، وأحاول، وهذا يكفي".

فقط اسأل نفسك: إذا كان كل من حولك مشغولاً بإخفاء عيوبه، فمن سيعلمك كيف تواجه عيوبك؟ وإذا كان الجميع نائمين، فمن سيوقظ من تبقى؟
ربما حان وقت الاستيقاظ. ربما حان وقت أن تكون أنت البطل الحقيقي الذي يجرؤ على أن يكون على طبيعته، بعيوبه ومزاياه، بانتصاراته وإخفاقاته. لأن الجمال الحقيقي لا ينام أبداً.

الجمال الحقيقي هو الذي يجرؤ على أن يكون حقيقياً.

#دشيرين #حقيقيا @highlight  بقلم الدكتورة ...شرين فؤاد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot