السبت، 14 فبراير 2026

إعادة تسعير التحالفات في عصر الاقتصاد المكشوف !!!!!!!

بقلم : ماهر حسن مفتاح
 كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد 
لم تعد التحالفات تُدار اليوم بالخطاب السياسي الذي يبررها بل بالأرقام التي تحكمها. ما نشهده ليس مجرد حرب في أوكرانيا ولا خلاف عابر داخل الغرب بل لحظة يعاد فيها تسعير معنى التحالف نفسه. لعقود طويلة كانت أوروبا تعيش داخل معادلة واضحة ازدهار اقتصادي مقابل مظلة أمنية أمريكية. كانت الكلفة موزعة بطريقة غير معلنة وكانت السياسة تتولى مهمة التبرير بينما يعمل الاقتصاد في الخلفية بهدوء .
اليوم تغير المشهد. الاقتصاد خرج إلى الواجهة وأصبح الحديث مباشراً عن من يدفع ومن يستفيد ومن يتحمل المخاطر. ارتفاع أسعار الطاقة أعاد رسم خريطة التدفقات المالية. صادرات الغاز الأمريكية إلى أوروبا تضاعفت. شركات السلاح الأمريكية وسعت حصتها السوقية. وفي المقابل ارتفعت التزامات أوروبا الدفاعية وازداد اعتمادها على البنية الأمنية الأمريكية. هذه ليست صدفة ولا مؤامرة بل نتيجة طبيعية لتحول التحالف من علاقة سياسية مريحة إلى علاقة اقتصادية مكشوفة .
السؤال لم يعد هل أوروبا تخسر وأمريكا تربح بل كيف يعاد توزيع العائد داخل المنظومة نفسها. أوروبا لا تدعم أوكرانيا من باب السذاجة بل لأنها ترى في أي تغيير قسري للحدود تهديداً مباشراً لبنيتها الأمنية. لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها مضطرة لإعادة تمويل أمنها بشروط أكثر صرامة. هنا يظهر التوتر الحقيقي. التحالف الذي كان يقوم على الثقة أصبح يقوم على الحساب .
هذا التحول له أثر اقتصادي واضح. ارتفاع الإنفاق الدفاعي يعني إعادة توجيه موارد من قطاعات اجتماعية إلى قطاعات أمنية. الاعتماد الطاقي يعاد تشكيله بسرعة وبتكلفة مرتفعة. سلاسل الإمداد تعاد صياغتها على أساس المخاطر الجيوسياسية لا الكفاءة فقط. كل ذلك يحدث في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأوروبي من تباطؤ هيكلي وتحديات تنافسية أمام الولايات المتحدة والصين .
ما نراه إذاً ليس خطأ استراتيجياً بسيطاً ولا ذكاء أمريكياً مطلقاً بل إعادة تفاوض على قواعد التحالف في زمن لم تعد فيه السياسة قادرة على إخفاء الكلفة. الاقتصاد أصبح مكشوفاً والمصالح أصبحت مباشرة والغطاء الأيديولوجي أضعف من أن يخفي الأرقام. في مثل هذا السياق تصبح الأسئلة أكثر حساسية. هل تستطيع أوروبا بناء قدر أكبر من الاستقلال دون أن تدفع ثمناً باهظاً. وهل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على قيادة نظام لم يعد يقبل أن تكون كلفته غير مرئية .
إعادة تسعير التحالفات تعني أن كل طرف يعيد حساب ما يحصل عليه مقابل ما يدفعه. وهذه العملية لا تتم بخطاب أخلاقي بل بميزانيات وجداول زمنية وعقود طويلة الأجل. ما يحدث ليس انهيار الغرب ولا صعود قوة جديدة بقدر ما هو لحظة كشف للحسابات الداخلية. ومن يفهم أن الاقتصاد أصبح لغة التحالف الأساسية يدرك أن المرحلة القادمة لن تحسمها الشعارات بل قدرة كل طرف على تحمل الكلفة والاستفادة منها في آن واحد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot