لم تكن الصور التي انتشرت مؤخرًا مجرد لقطات عابرة في شوارع مصر بل كانت اعترافًا صامتًا بأن شيئًا عميقًا ينكسر داخل المجتمع دون ضجيج كافٍ لينبهنا وأن ما نراه ليس بداية القصة بل نهايتها المؤلمة حين يقف شاب مرتديًا بدلة رقص أُجبر عليها وسط الشارع محاطًا بنظرات الناس التي تراوحت بين السخرية والدهشة والشماتة فإن المشهد لا يتعلق بقطعة قماش بل يتعلق بكرامة إنسان تم تجريده منها علنًا وكأن إذلاله أصبح وسيلة لإثبات موقف أو فرض سيطرة أو تفريغ غضب وحين يمسك شاب آخر سكينًا في وجه أمه فإن السكين لا يكون أخطر ما في المشهد بل الأخطر هو المسافة النفسية التي وصلت إليها العلاقة حتى أصبح التهديد ممكنًا بعد أن كان مجرد التخيل مستحيلًا لأن الأم التي كانت تمثل الأمان الأول أصبحت فجأة طرفًا في مواجهة دامية لا تشبه الفطرة ولا تشبه ما تعلمناه عن معنى الأسرة والحقيقة التي نحاول الهروب منها أن المشهدين ليسا منفصلين كما يبدو بل هما وجهان لنفس الجرح جرح يتكون حين تختفي لغة الحوار ويحل محلها القهر وحين يختفي الاحتواء ويحل محله العقاب وحين يشعر الإنسان داخل بيته أنه مهدد أو مهان أو غير مرئي إلا عندما يخطئ أو يتمرد لأن الإهانة العلنية لا تصنع إنسانًا أفضل بل تصنع إنسانًا مكسورًا أو غاضبًا والإنسان المكسور قد يصمت إلى الأبد والإنسان الغاضب قد ينفجر في لحظة لا يمكن التراجع عنها والمجتمع حين يشاهد هذه اللحظات ويتعامل معها كمواد للتداول أو التعليق السريع دون أن يسأل كيف وصلنا إلى هنا فإنه يشارك دون أن يدري في استمرار نفس الدائرة لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس انتشار العنف بل اعتياد رؤيته وليس وقوع الإهانة بل تبريرها وليس انهيار العلاقة بين الأم وابنها بل فقدان إحساسنا بمدى فداحة ذلك الانهيار نحن لا نعيش فقط أزمة سلوك فردي بل نعيش أزمة شعور بالإنسان نفسه حين يصبح العقاب أهم من الفهم والفضيحة أسرع من الإصلاح والقسوة أسهل من الاحتواء لأن الإنسان حين يفقد إحساسه بقيمته داخل أقرب دائرة إليه يبدأ في فقدان إحساسه بكل شيء بعدها وربما لا يكون السؤال الآن لماذا ارتدى هذا الشاب بدلة رقص ولماذا رفع ذلك الشاب سكينًا بل السؤال الذي يجب أن يخيفنا جميعًا هو كم شخصًا آخر يعيش الآن نفس الألم في صمت وكم مشهدًا آخر ينتظر لحظة الظهور وكم بيتًا يبدو هادئًا من الخارج بينما ينمو داخله صدع لا يراه أحد حتى يتحول فجأة إلى صورة جديدة نتداولها وننساها بينما تبقى آثارها في نفوس أصحابها إلى الأبد.
خلود محمد احمد محمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق