الاثنين، 1 يونيو 2026

حين يتعلق القلب بغير الله… لماذا نتعب أكثر مما نحب؟د.سوهير الطويل

استشاري نفسي واسري وتربوي 

من أكثر الأشياء التي تُرهق الإنسان نفسيًا وروحيًا أن يجعل قلبه معلقًا ببشر، أو بمكانة، أو بمشاعر، أو حتى بصورة يتخيلها عن الحياة.
فالتعلّق بغير الله لا يبدأ دائمًا بحبٍّ خاطئ، لكنه يبدأ غالبًا باحتياج زائد، وتوقعات أكبر من قدرة البشر، واعتماد نفسي يجعل الإنسان يشعر أن سعادته أو راحته أو قيمته مرتبطة بشخص آخر.

ولهذا يصبح القلب خائفًا طوال الوقت…
خائفًا من الفقد،
ومن التغيّر،
ومن التجاهل،
ومن أن يتبدل الحب أو يقل الاهتمام.

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن البشر متغيرون بطبيعتهم؛ قلوبهم تتقلب، وظروفهم تتبدل، وقد يحبون اليوم ويضعفون غدًا.
أما الله وحده فهو الثابت الذي لا يتغير، والسند الذي لا يخذل، والرحمة التي لا تنقطع.

قال الله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
[الطلاق: 3]

أي يكفيه… يكفي خوفه، وقلقه، ووحدته، واضطرابه.

التعلق المرضي بالبشر يجعل الإنسان أحيانًا يفقد نفسه وهو يحاول ألا يفقد الآخر.
فيتنازل عن راحته، وكرامته، وهدوئه، فقط ليبقى موجودًا في حياة من يحب.
وهنا يتحول الحب من شعور جميل إلى استنزاف نفسي مؤلم.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
“من تعلّق بغير الله عُذِّب به.”

وهي من أصدق الكلمات التي تصف حال القلوب حين تُحمّل البشر ما لا يقدر عليه إلا الله.

فلا أحد يستطيع أن يملأ فراغ الروح بالكامل،
ولا أحد يمنح الأمان المطلق،
ولا أحد يبقى بنفس المشاعر إلى الأبد.

لهذا كان أعظم توازن في الحياة أن نحب الناس دون أن نعبد وجودهم في قلوبنا، وأن نتعلق بالله أولًا، ثم نُحب البشر حبًا صحيًا لا يُفقدنا أنفسنا.

وفي الحديث الشريف:
“واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.”
رواه الترمذي.

حين يمتلئ القلب بالله، لا يصبح الإنسان بلا مشاعر، بل يصبح أكثر اتزانًا.
يحب… لكن دون ذوبان.
يشتاق… لكن دون انهيار.
ويتألم… لكن دون أن يضيع.

لأن القلب حين يعرف طريقه إلى الله، يدرك أن البشر أسباب،
أما الطمأنينة الحقيقية… فمن الله وحده.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot