كتب لكم المقااال 👇
بقلم ✍️ احمد حمدى مستشار علاقات دبلوماسية المجلس الإفريقي الدولى ورئيس اللجنة العليا للمجلس الاعلى للصحافة والاعلام
لكن السؤال الأكبر الذي يراود الجميع:
كيف سيعلم الدجال المستقبل، رغم أنه لا يعلم الغيب إلا الله؟
في هذه الحلقة، سنقترب من هذا الاحتمال المرعب… خطوةً بخطوة.
السر يبدأ من عندك أنت…
لأن الإنسان المعاصر أصبح يترك وراءه كل يوم آلاف المعلومات عن نفسه، دون أن يشعر.
هاتفك المحمول الذي لا يفارقك يعرف أين تذهب، ومتى تستيقظ، ومتى تنام، وما التطبيقات التي تستخدمها، وما الذي تبحث عنه وتشاهده.
بينما تضيف حواسبك وأجهزتك الذكية المحيطة بك تفاصيل أخرى إلى هذا الملف.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في معرفة هذه الأشياء وحدها…
بل تبدأ الكارثة عندما تستطيع التكنولوجيا أن تربط هذه التفاصيل ببعضها، لتعرف عنك شيئًا أخطر بكثير:
من أنت حقًا… عندما لا يراك أحد؟
إنها تراقب ما تفعله عندما تشعر بالوحدة.
وما تبحث عنه عندما يخاف قلبك.
وما تشاهده لتطرد عنك الملل.
وما يجذب انتباهك في عتمة منتصف الليل.
وما يثير غضبك…
وما يمنحك الأمان.
بل إن هذه البيانات تغوص في تفاصيل أصغر بكثير مما تتخيل.
مقطع فيديو مررت عليه سريعًا…
وآخر توقفت أمامه لثانيتين إضافيتين.
منشور أعجبك…
وتغريدة قرأتها ولم تتفاعل معها.
فيديو أغلقته فجأة…
وصورة ظلت عيناك معلقتين بها…
وحتى تعليق غاضب كتبته ثم مسحته قبل أن تنشره.
كل واحدة من هذه التفاصيل تبدو تافهة بمفردها…
لكن عندما تتجمع ملايين الشظايا، يبدأ شيء مخيف في التشكل:
«نمطك الرقمي»…
أو النسخة التوأم منك في العالم الافتراضي.
وهنا تصبح التكنولوجيا قادرة، نظريًا، على بناء صورة عنك تكشف أشياء لا تنتبه إليها أنت أصلًا.
لأنك ترى نفسك من الخارج…
أما البيانات فتراك من الداخل، عبر آلاف التصرفات الصغيرة التي تسقط من ذاكرتك.
والأخطر من ذلك…
أن هذه المعرفة لا تتوقف عند حدود المراقبة، بل تتحول إلى حقل تجارب واختبار.
فتظهر أمامك أخبار موجهة لتُقاس استجابتك.
وتتغير صورة واحدة على واجهتك، ليُحسب مدى تغير انتباهك أو مزاجك.
يُضخ في عالمك محتوى الخوف، ليراقبوا مستوى قلقك…
ثم يتبعه محتوى الأمل، ليقيسوا مدى تأثيره عليك.
وتتكرر هذه العملية الدقيقة مرارًا وتكرارًا…
حتى يصبح بالإمكان معرفة أي نوع من الرسائل يجعلك تخاف، وأيها يطمئنك، وأيها يملك القدرة على تغيير قرارك.
وأنت في النهاية…
لا ترى سوى شاشة زجاجية صامتة أمامك.
قد تقنع نفسك وتقول:
«هذه مجرد خوارزمية تقترح لي المحتوى الذي أحبه».
لكن ماذا لو كانت الصورة أكبر… وأخطر من ذلك بكثير؟
ماذا لو كانت الخوارزمية لا تتعلم فقط ما تحبه…
بل تتعلم كيف يمكنها إعادة تشكيلك والتحكم فيك؟
وهنا لا تتوقف البيانات عندك وحدك…
بل تمتد لتشمل العالم الذي يحيط بك:
عائلتك.
أصدقاؤك.
بيئتك.
مدينتك.
ثقافتك.
لهجتك.
وعاداتك.
الأشخاص الذين تثق بهم…
والذين تكنّ لهم الكراهية.
كل هذه التفاصيل عندما تجتمع، تجعل السلوك الإنساني كتابًا مفتوحًا وقابلًا للتوقع بشكل مرعب.
ومع مرور الوقت، يتحول تاريخك كله إلى نموذج يتوقع ردود أفعالك المستقبلية بكل سهولة.
هذا النموذج الرقمي المبني من تاريخك، وسلوكك، وقراراتك، وتفاعلاتك…
يعرفك من خلال كل أثر تركته خلفك.
قد لا تدري أنت ماذا ستفعل بعد دقيقة واحدة من الآن…
لكن هذا النموذج الذي درس خطاك لسنوات يستطيع توقعه بدقة.
وهنا بالذات…
يتحول امتلاك البيانات من مجرد معرفة بالإنسان، إلى قدرة على التنبؤ به.
لتبدأ المرحلة الأكثر خطورة:
مرحلة التأثير والسيطرة.
لأن من يعرف ما الذي سيؤثر فيك…
يملك سلطة اختيار متى وكيف يستخدمه ضدك.
وهنا بالضبط…
نصل إلى المنعطف الأخطر في الحكاية…
حيث يُخلط العلم بالغيب.
الدجال، في هذا السيناريو، لن يحتاج إلى معرفة المستقبل لأنه إله –حاشا لله–…
بل سيبدو كأنه يعلم الغيب، لأنه يمتلك البيانات والأنماط المجمعة والنسخ الرقمية للبشر
فالإنسان، رغم كل تعقيده، كائن يكرر أنماطه.
وقراراته ليست مفاجآت أغلب الوقت.
إذا عرفت عاداته، ونقاط ضعفه، ومخاوفه، والبيئة المحيطة به…
تستطيع أن تتوقع سلوكه بدرجة مذهلة.
ثم تأتي الخطوة الشيطانية:
لن يكتفي بالتنبؤ بما سيحدث…
بل سيصنع الظروف والمدخلات التي تجعل ما تنبأ به يحدث فعلًا في أرض الواقع.
عندها…
تتحول النبوءة إلى خدعة تحقق نفسها بنفسها.
وعندها سيصرخ الناس في ذهول:
«لقد أخبرنا بما سيحدث قبل وقوعه!»
ويُعامل التنبؤ الرقمي المدروس على أنه نبوءة إلهية معجزة.
هذه الفكرة ليست بعيدة عن واقعنا.
فنحن نرى اليوم أشخاصًا يتنبؤون بأحداث مستندين إلى معطيات بسيطة، ويبنون حولهم هالة من القداسة.
وكلما تمازج الواقع مع توقعاتهم…
ازداد أتباعهم إيمانًا أعمى بهم.
لكن مع الدجال…
ستتحول هذه الفكرة إلى سلاح السيطرة المطلق، والأكثر خطورة في تاريخ البشرية.
أكيد، نخليها أقوى وأشد تشويقًا، مع الحفاظ على المعنى:
وفي الحلقة القادمة…
سنقترب من واحدة من أخطر فتن الدجال:
كيف سيبدو وكأنه يحيي الموتى…
مع أننا نعلم يقينًا أن إحياء الموتى لا يكون إلا بإذن الله؟
فهل ستكون تلك حياةً حقيقية؟
أم أن وراء هذا المشهد سرًا آخر… لم نفهمه بعد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق