بقلم / امل صالح سليم
في بعض الزيجات لا تبدأ المشكلة من العريس ولا من العروس وإنما من نظرة مجتمع ما زال يحمّل المرأة وابنتها فاتورة أخطاء لم يرتكباها.
تخيلوا أما انفصلت عن زوجها فوجدت نفسها أمام مسؤولية كاملة: تربي، وتنفق، تعلم، وتحمي، وتواجه الحياة، وتقوم بدور الأب والأم معا سنوات طويلة تحملت فيها ما لا يحتمل فقط حتى تكبر ابنتها وتصل إلى يوم زفافها مرفوعة الرأس.
ثم يأتي يوم الفرح... تفاجأ بأن أهل العريس يرفضون أن يضعوا أيديهم في يد هذه الأم، بحجة أن الأب هو صاحب الحق في الحضور وإتمام مراسم الزواج رغم أن هذا الأب ربما كان بعيدا عن حياة ابنته، بينما الأم هي التي كانت موجودة في كل تفاصيل عمرها.
هنا يصبح السؤال الحقيقي: كيف نحاسب البنت على شيء لم يكن لها فيه ذنب ولا اختيار؟
هل اختارت أن ينفصل والداها؟
هل طلبت من أبيها أن يبتعد؟
هل كانت هي من قررت أن تكون أمها هي التي تحملت المسؤولية؟
البنت لم تختر ظروف بيتها، ولم تكن صاحبة القرار في الطلاق فلماذا تتحول هذه الظروف إلى وصمة تُلاحقها عندما تكبر وتقرر أن تبدأ حياتها؟
والأغرب أن المجتمع نفسه هو الذي يطالب المرأة بعد الطلاق بأن تكون قوية وأن تتحمل مسؤولية أولادها وأن تعمل وتربي وتدبر شؤون البيت وكأن المطلوب منها أن تكون أبا وأما في الوقت نفسه.
يقال لها: تحملي من أجل أولادك...
ربيهم...
اصرفي عليهم...
علميهم...
كوني سندهم...
ولا تشتكي.
ثم عندما تكبر الابنة وتصل إلى الزواج يأتي البعض ليقول للأم: أنت لستِ صاحبة الدور الذي يستحق أن نقف احتراما أمامه.
أي تناقض هذا؟
كيف نعترف بدورها عندما نحتاج منها أن تحمل "الشيلة" ثم نتجاهلها عندما يحين وقت تكريمها؟
الزواج ليس مجرد يدٍ تُمد لتصافح يدا أخرى؛ إنه لحظة تختصر سنوات من التعب والانتظار والخوف والدعاء.
وعندما تقف الأم بجوار ابنتها في هذا اليوم فهي لا تقف باعتبارها امرأة مطلقة فقط وإنما باعتبارها الأم التي حملت ابنتها في أصعب مراحل حياتها وربتها حتى وصلت إلى هذه اللحظة.
أما الأب فوجوده وحقوقه ومسؤولياته تبحث وفق الشرع والقانون والعرف الصحيح وليس من العدل أن تتحول صفة "الأب" وحدها إلى مقياس لقيمة من قام بالتربية والرعاية كما لا يصح أيضا أن يختزل الزواج كله في موقف اجتماعي أو مصافحة رمزية.
المشكلة ليست في يدٍ لم تمتد للمصافحة فقط...
المشكلة في نظرة كاملة للمرأة بعد الطلاق نظرة تجعلها مطالبة بأن تقوم بكل الواجبات، ثم تحرمها من التقدير عندما يحين وقت الاعتراف بما فعلته.
إذا كانت المرأة قادرة على أن تحمل مسؤولية أولادها وحدها فمن الظلم أن تعامل وكأنها أقل قيمة في اليوم الذي تحصد فيه ثمرة سنوات تعبها.
والأهم من كل ذلك: لا تجعلوا ابنة تدفع ثمن انفصال والديها.
فالطفلة التي كبرت في بيت منفصل لم تختر الانفصال والأم التي ربتها وحدها لم تكن عارا تخفيه الأسرة، وإنما كانت إنسانة تحملت مسؤولية ثقيلة.
فلنحاكم الأفعال لا الظروف... ولنكرم من تحمل المسؤولية بدل أن نعاقبه عليها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق