الجمعة، 18 سبتمبر 2026

(حين يخون الإنسان نفسه)


بقلم: هبة الخطيب 
أقسى الخيانات ليست دائمًا تلك التي يأتي بها الآخرون، فهناك خيانة أكثر وجعًا تحدث في صمت، حين يعرف الإنسان ما يؤذيه، ثم يختار أن يستمر.
نحن نتحدث كثيرًا عن خيانة الآخرين لنا، عن شخص كسر ثقتنا، أو خذل مشاعرنا، أو ترك في أرواحنا أثرًا لا يزول بسهولة. لكننا نادرًا ما نتوقف أمام السؤال الأصعب: متى نخون نحن أنفسنا؟
نخون أنفسنا حين نعرف الحقيقة ونرفض الاعتراف بها، وحين نرى الطريق الذي يؤلمنا ونصر على السير فيه، وحين نمنح الآخرين فرصًا لا نمنحها لأنفسنا.
قد يفعل الإنسان ذلك خوفًا من الوحدة، أو تعلقًا بذكريات جميلة، أو أملًا في أن يتغير الآخر، أو لأن قلبه لم يستوعب بعد أن بعض العلاقات انتهت بالفعل.
وهناك ثلاث حالات تتكرر فيها هذه الخيانة للنفس بصورة واضحة.
أولًا: أن تصر على علاقة تؤذيك
أن تعرف أن العلاقة تستنزفك، ومع ذلك تتمسك بها.
تتألم ثم تقول: «ربما تتغير الأمور».
 تُخذل ثم تبحث عن مبررات.
 تُهمل ثم تقنع نفسك بأن الطرف الآخر يمر بظروف صعبة.
ومع الوقت، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح الألم جزءًا طبيعيًا من العلاقة.
المشكلة ليست في أن الإنسان يحب، فالحب ليس خطأ. المشكلة أن يتحول الحب إلى سبب للتنازل المستمر عن الأمان النفسي والكرامة والاحتياجات الأساسية.
أحيانًا لا يكون الرحيل دليلًا على انتهاء الحب، بل يكون دليلًا على أن الإنسان أدرك أخيرًا أن عليه أن يحمي نفسه.
ثانيًا: أن تمنح فرصة لمن خذلك
التسامح قيمة إنسانية، ومن حق كل شخص أن يمنح فرصة ثانية لمن أخطأ في حقه.
لكن هناك فرقًا بين الفرصة والتنازل عن النفس.
حين يصبح الخذلان متكررًا، وتصبح الاعتذارات مجرد بداية لدائرة جديدة من الألم، فإن الاستمرار في منح الفرص قد لا يكون تسامحًا، بل تجاهلًا لما تقوله لنا التجربة.
ليس المطلوب أن يتحول الإنسان إلى شخص قاسٍ لا يسامح، وإنما أن يتعلم أن المسامحة لا تعني بالضرورة العودة، وأن الاعتذار لا يصبح ذا قيمة حقيقية إلا عندما يصاحبه تغيير في السلوك.
أحيانًا تكون أصدق فرصة تمنحها لنفسك هي أن تتوقف عن إعطاء الفرص لمن أثبت لك أكثر من مرة أنه لا يحسن استخدامها.
ثالثًا: أن تحن إلى إنسان كسرك
الحنين شعور لا يخضع دائمًا للمنطق.
قد تشتاق إلى شخص تعرف جيدًا أنه آذاك. قد تتذكر ضحكته، صوته، تفاصيل الأيام الأولى، والمواقف الجميلة، بينما يتراجع في ذاكرتك مشهد الألم الذي كان سببًا في رحيله.
لكن الحنين لا يعني أن العودة صحيحة.
فنحن في بعض الأحيان لا نشتاق إلى الشخص كما هو، وإنما نشتاق إلى نسخة قديمة منه، إلى بداية العلاقة، أو إلى أحلام بنيناها معه ولم تتحقق.
ولهذا يجب ألا نخلط بين الاشتياق وبين صلاحية العودة.
قد يحن القلب، لكن هذا لا يعني أن علينا أن نعود إلى المكان الذي خرجنا منه ونحن نحمل كل هذا الألم.
متى تتحول مشاعرنا إلى خيانة لأنفسنا؟
ربما حين يصبح إرضاء الآخرين أهم من راحتنا، وحين نخاف فقدان شخص أكثر من خوفنا من فقدان أنفسنا.
حين نعرف أن شيئًا يؤذينا ونصر عليه.
 حين نعرف أن شخصًا خذلنا وننتظر منه أن يمنحنا الأمان نفسه مرة أخرى.
 حين نعرف أن العودة ستعيد الجرح نفسه، ومع ذلك نسمح للحنين أن يقودنا.
نحن لا نملك دائمًا القدرة على منع الآخرين من خذلاننا، لكننا نملك قدرًا من القدرة على منع أنفسنا من الاستمرار في المكان الذي يؤذينا.
فالحياة لا تطلب منا أن نكون بلا قلب، وإنما أن نكون إلى جانب قلوبنا أيضًا.
أن نحب، لكن دون أن نفقد أنفسنا.
 أن نسامح، دون أن نسمح للأذى بأن يصبح عادة.
 أن نشتاق، دون أن ننسى لماذا رحلنا.
وفي النهاية، ربما تكون أقسى لحظة هي تلك التي يكتشف فيها الإنسان أنه لم يكن ضحية خيانة الآخرين فقط، بل كان شريكًا في خيانة نفسه، كلما عرف الحقيقة واختار أن يتجاهلها.
فلا تجعل خوفك من خسارة إنسان سببًا في خسارتك لنفسك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot