د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي
ليست الرجولة مظهرًا يُرتدى، ولا كلماتٍ تُقال في لحظات الانفعال، ولا وعودًا تُطلقها الألسنة ثم تتوارى حين يحين وقت الوفاء. الرجولة موقف، ومسؤولية، وشرف، وصدق مع الله ومع النفس ومع الآخرين.
كان للكلمة قديمًا وزنٌ وهيبة؛ فإذا قال الرجل: «أعدك»، عُدَّ وعده عهدًا، وإذا قال: «سأفعل»، انتظر الناس منه الفعل لا مزيدًا من الكلام. أما أن تتحول الكلمة إلى وسيلة لاستمالة القلوب، واستنزاف المشاعر، وتعليق الآخرين على وعود مؤجلة لا تأتي، فذلك ليس من المروءة في شيء.
إن بعض الرجال لا يدركون خطورة أن يمنحوا امرأة وعدًا لا ينوون الوفاء به. قد يقول لها: «أنا جاد»، و«أنتِ من أريدها زوجة»، و«سأتقدم إليك»، و«انتظريني»، ثم تمضي الأيام والشهور، وتبدأ دوامة الأعذار والتأجيل والمراوغة، حتى تجد المرأة نفسها معلقة بين وعدٍ لم يتحقق وأملٍ لا تعرف متى ينتهي.
وهنا لا بد أن نتوقف.
فالإنسان لا يملك أعمار الآخرين، ولا يحق له أن يستولي على سنوات من حياة إنسان آخر بكلمات يعرف في قرارة نفسه أنه قد لا يفي بها.
قال الله تعالى:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
وقال سبحانه وتعالى:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
فالكلمة في ميزان الأخلاق والإيمان ليست صوتًا عابرًا يخرج من الفم ثم ينتهي أثره؛ إنها مسؤولية، وقد تكون سببًا في بناء حياة إنسان، وقد تكون كذلك سببًا في هدمها.
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من إخلاف الوعد، فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
وليس معنى الحديث أن نحكم على كل من أخلف وعدًا بالنفاق، وإنما فيه تحذير بالغ من خصال مذمومة، وفي مقدمتها الكذب وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة.
وما أشد خيانة الأمانة حين يمنح رجل امرأة شعورًا بالأمان، ثم يتركها أسيرة الانتظار، بينما هو يعلم أنه لم يتخذ قرارًا حقيقيًا بشأنها.
إن المرأة التي صدقت وعدك ليست رقمًا في قائمة معارفك، وليست وقتًا فائضًا في يومك، وليست إنسانة تحتفظ بها إلى جوارك حتى لا تشعر بالوحدة، ثم تتخلى عنها متى وجدت ما يشغلك أو ما يرضي رغبتك.
إنها إنسانة لها عمر، ومشاعر، وكرامة، وأحلام، وحق في أن تعرف الحقيقة.
فإن كنت جادًا، فكن واضحًا.
وإن كنت قادرًا على الزواج، فاسلك طريقه.
وإن كنت غير مستعد، فقل الحقيقة دون مواربة.
وإن كنت لا تريد الاستمرار، فارحل بصدق وأدب.
أما أن تمنحها وعدًا تلو الآخر، ثم تطلب منها الصبر إلى أجل غير معلوم، فذلك ليس حبًا، ولا شهامة، ولا رجولة.
ليس من الرجولة أن تقول للمرأة ما يرضي قلبها اليوم، ثم تبحث غدًا عن مخرج من كلامك.
وليس من الرجولة أن تجعلها تبني مستقبلها على جملة قلتها في لحظة عاطفية.
وليس من الرجولة أن تطلب منها الانتظار، وأنت لا تعرف أصلًا إن كنت ستأتي.
فالرجولة الحقيقية ليست في القدرة على جذب المرأة، وإنما في القدرة على تحمّل مسؤولية وجودها في حياتك.
الرجل الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكرر كل يوم أنه رجل؛ أفعاله تكفي.
إذا قال: «سأتقدم»، تقدم.
وإذا قال: «سأتحمل المسؤولية»، تحملها.
وإذا قال: «لا أستطيع»، كان صريحًا.
وإذا تغيّرت ظروفه، واجه من وعدها بالحقيقة، لا بالاختفاء والمراوغة والتبريرات التي لا تنتهي.
إن الشجاعة ليست في أن تعد، وإنما في أن تكون صادقًا فيما تعد به، وأن تمتلك شجاعة الاعتراف حين تعجز عن الوفاء.
ومن المؤلم أن يصبح بعض الناس بارعين في صناعة الأمل الكاذب؛ يمنحون الآخر من الكلمات ما يكفيه ليبقى، ومن الوعود ما يكفيه ليصبر، ثم لا يقدمون في الواقع خطوة واحدة تستحق كل ذلك الانتظار.
وهنا يجب أن نتذكر أن الوقت الذي يضيع من عمر الإنسان لا يُسترد.
قد يعوَّض المال، وقد تأتي فرصة أخرى، وقد يلتئم جرح بعد حين، لكن السنوات التي قضتها امرأة في انتظار رجل لم يكن جادًا لن تعود إليها.
ولهذا، فإن من أبشع صور الأنانية أن يستبقي الإنسان شخصًا في حياته لا رغبة له في الارتباط به، ولكنه لا يريد في الوقت نفسه أن يفقده.
يترك الباب مواربًا؛ فلا هو اقترب بما يكفي ليبني حياة، ولا هو ابتعد بما يكفي ليمنح الآخر فرصة للبدء من جديد.
وهذا ليس حبًا، بل أنانية عاطفية.
والحب الحقيقي لا يعلّق، ولا يستنزف، ولا يترك إنسانًا في منطقة رمادية.
الحب الذي يحترم صاحبه يقوده إلى الوضوح، والاحترام، والمسؤولية، والطريق المشروع.
ومن هنا أقول لكل رجل: لا تمنح امرأة وعدًا لا تملك القدرة أو النية على الوفاء به. لا تجعل كلماتك الجميلة قيدًا في عنق إنسانة صدقتك. ولا تستغل حاجتها إلى الأمان العاطفي لتضمن بقاءها إلى جوارك.
كن صريحًا؛ فالحقيقة المؤلمة أرحم كثيرًا من الأمل الكاذب.
وأقول لكل امرأة: لا تقيسي صدق الرجل بجمال حديثه، وإنما بصدق خطواته. لا تجعلي الوعود وحدها دليلًا على الجدية؛ فالذي يريدك حقًا سيبحث عن الطريق الذي يحفظ لك كرامتك وحقك، لا عن طريقة لإبقائك معلقة به.
راقبي الأفعال، فهي اللغة التي لا تكذب.
فالرجل الذي يحترم المرأة لا يستهلك عمرها في الانتظار، ولا يختبئ خلف الأعذار، ولا يطلب منها أن تثق بكلامه بينما أفعاله تقول شيئًا آخر.
وفي النهاية، تظل الحقيقة بسيطة وعميقة:
الرجل كلمة… والكلمة وعد، والوعد لا يفي به إلا الرجال.
فالرجولة ليست أن تقول ما يدهش المرأة، وإنما أن تفعل ما يجعلها مطمئنة إلى صدقك.
وليست أن تعدها بمستقبل جميل، وإنما أن تبدأ بالفعل في بناء ذلك المستقبل.
وليست أن تتمسك بها بالكلمات، وإنما أن تحفظ كرامتها بالمواقف.
إن الكلمة شرف، والوعد أمانة، والوفاء خُلُق، ومن عجز عن الوفاء فليملك شجاعة الصدق قبل أن يملك شجاعة الوعد.
فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
وما أجمل أن يكون الإنسان ممن إذا قال صدق، وإذا وعد وفّى، وإذا اؤتمن صان.
تلك هي الرجولة التي تُحترم، وتبقى سيرتها طيبة، ويشهد لها الناس قبل أن تشهد لها الكلمات.
الرجل كلمة… والكلمة وعد، والوعد لا يفي به إلا الرجال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق