الأحد، 13 سبتمبر 2026

اللى يصعب عليك يفقرك

 
بفلم : هبة الخطيب 

اللي يصعب عليك يفقرك.. حين لا يكون الفقر في الجيب فقط
هناك أمثال شعبية كثيرة نرددها كما لو كانت جملة عابرة، ثم تمرّ من أمامنا دون أن نتوقف طويلًا أمام ما تخبئه من خبرة إنسانية تراكمت عبر أجيال.
ومن بين هذه الأمثال: «اللي يصعب عليك يفقرك».
المعنى التقليدي للمثل يبدو واضحًا؛ أن الشخص الذي تستجيب له بدافع الشفقة أو الطيبة قد يستنزفك ماديًا، حتى تجد نفسك في النهاية أفقر مما كنت.
لكن ماذا لو كان المقصود بالفقر أوسع من المال؟
ماذا لو كان الإنسان يستطيع أن يفقرك دون أن يمد يده إلى جيبك أصلًا؟
أن يفقرك من الحب، ومن الأمان، ومن الثقة، ومن الحنان، ومن الإحساس بأن هناك في هذا العالم من يمكن أن يسندك حين تتعب؟
هنا يتحول المثل الشعبي من مجرد نصيحة عن المال إلى قراءة عميقة في العلاقات الإنسانية.
هناك من يسرق أشياء لا تُرى
ليس كل استنزاف يمكن قياسه بالأرقام.
هناك شخص يدخل حياتك، ولا يأخذ منك مالًا، لكنه يأخذ ساعات نومك، وهدوءك، وثقتك بنفسك، وقدرتك على الفرح.
وهناك من يجعلك تعتاد الاعتذار عن مشاعرك، فتبدأ في الاعتقاد أن حزنك مبالغة، وأن احتياجك ضعف، وأن طلبك للحنان نوع من التدليل.
وهناك من يجعلك تعطي باستمرار، بينما يعتبر ما تقدمه حقًا مكتسبًا لا يستحق حتى كلمة شكر.
ومع الوقت، يحدث شيء أخطر من الخسارة المادية:
تبدأ في الفقر من الداخل.
تقل قدرتك على العطاء، ليس لأن قلبك تغير، وإنما لأن قلبك أُنهك.
«صعبت عليك» ليست دائمًا طيبة
الطيبة قيمة عظيمة، لكن الطيبة بلا حدود قد تتحول إلى باب للاستغلال.
أن تشفق على إنسان شيء، وأن تسمح له بأن يحول شفقتك إلى التزام دائم شيء آخر.
أن تقف بجوار شخص في محنته شهامة، لكن أن تصبح أنت المسؤول عن إنقاذه في كل مرة، حتى تنهار أنت، فهذا ليس عطاءً صحيًا.
وهنا تأتي حكمة المثل.
فالإنسان الذي لا يعرف حدودًا لما يأخذ، قد يجعلك تدفع ثمن طيبتك من أعصابك، ووقتك، وراحتك، ومشاعرك.
لكن المشكلة لا تتوقف عند المستغل.
فأحيانًا، من شدة ما يتعرض الإنسان للاستنزاف، يبدأ في اتخاذ قرار قاسٍ:
ألا يعطي أحدًا شيئًا بعد ذلك.
وهنا تكون المأساة.
لأن شخصًا واحدًا أساء استخدام قلبك، فتدفع أنت والآخرون ثمن تجربته.
أخطر أنواع الفقر.. أن تصبح قاسيًا رغمًا عنك
ماذا يحدث للإنسان الذي أعطى الحب ولم يجد إلا الجحود؟
قد يتعلم ألا يحب.
والذي مد يده للمساعدة فوجد من يعض اليد التي امتدت إليه، قد يتعلم ألا يساعد.
والذي تحدث عن ألمه فقوبل بالسخرية، قد يتعلم الصمت.
والذي منح الثقة فتعرض للخيانة، قد يقضي بقية عمره وهو يشك في الجميع.
وهكذا لا يكون الضرر في أن شخصًا أخذ منك شيئًا فقط، بل في أنه غيّر علاقتك بالحياة نفسها.
جعلك أكثر خوفًا، وأكثر حذرًا، وأقل قدرة على منح مشاعرك بحرية.
وهذا هو الفقر الحقيقي.
الشهامة ليست أن تنقذ الجميع
في مجتمعاتنا، كثيرًا ما نخلط بين الشهامة وبين التضحية بالنفس.
نمد أيدينا لمن يحتاج، وهذا جميل.
لكن الشهامة لا تعني أن تلغي نفسك.
والرحمة لا تعني أن تسمح لأحد بأن يؤذيك.
والحب لا يعني أن تقبل الإهانة.
والتعاطف لا يعني أن تحمل مشاكل الآخرين فوق ظهرك حتى تنكسر.
يمكنك أن تكون إنسانًا رحيمًا، وفي الوقت نفسه تضع حدودًا.
يمكنك أن تقول «لا» دون أن تكون قاسيًا.
ويمكنك أن ترفض الاستغلال دون أن تفقد شهامتك.
بل ربما تكون أحيانًا أقوى أشكال الشهامة أن تساعد الإنسان بطريقة تجعله قادرًا على الوقوف على قدميه، لا أن تجعله يعتمد عليك إلى الأبد.
لا تبخل بالمشاعر.. ولا توزعها على من يستنزفك
المعادلة الصعبة ليست في أن نختار بين الطيبة والقسوة.
المعادلة الحقيقية هي أن نتعلم الطيبة الواعية.
أن نعطي، لكن نعرف لمن نعطي.
أن نحب، لكن نعرف متى يصبح الحب إهانة لأنفسنا.
أن نعطف، لكن ندرك الفرق بين إنسان يحتاج إلى يد تساعده، وإنسان يبحث عن يد يستنزفها.
أن نكون رحماء، دون أن نكون ضحايا.
فالحياة لا تحتاج إلى مزيد من القلوب القاسية، لكنها أيضًا لا تحتاج إلى قلوب مستباحة.
ربما لهذا المثل معنى آخر
«اللي يصعب عليك يفقرك» قد يكون تحذيرًا من شخص يجعلك تدفع ثمن عاطفتك.
لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون سؤالًا أخلاقيًا لنا جميعًا:
هل نحن أحيانًا الذين نُفقِر الآخرين؟
هل بخلنا على شخص بكلمة حنان كان يحتاجها؟
هل رأينا إنسانًا يتألم، وكان في استطاعتنا أن نواسيه، فاخترنا اللامبالاة؟
هل طلب منا شخص قليل من الاهتمام، فتعاملنا مع مشاعره باعتبارها عبئًا؟
هل جعلنا شخصًا يحبنا ثم عاقبناه على حبه؟
فكما أن هناك من يستغل طيبة الناس، هناك أيضًا من يملك القدرة على أن يمنح الحب والرحمة والاحتواء، لكنه يختار البخل بها.
وهذا النوع من البخل لا يُفرغ الجيوب…
إنه يُفرغ القلوب.
في النهاية
ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في مفهوم الفقر.
فليس الفقير فقط من لا يملك مالًا.
قد يكون الفقير هو من لم يعد يثق بأحد.
ومن لم يعد يستطيع أن يحب.
ومن يحتاج إلى الحنان ويخجل من طلبه.
ومن يمر بأصعب أيام حياته ولا يجد شخصًا واحدًا يقول له: «أنا جنبك».
لذلك، لا تجعلوا خوفكم من الاستغلال يحولكم إلى أشخاص بخلاء بالمشاعر.
أعطوا الحب لمن يستحقه.
كونوا رحماء، لكن بوعي.
كونوا أهل شهامة، لكن لا تسمحوا لأحد أن يستنزفكم.
وقبل أن نحكم على شخص بأنه «صعب عليه» أو «استغل طيبته»، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا آخر:
هل أخذ منا مالًا فقط؟
أم أخذ منا شيئًا لا نستطيع استعادته؟
فأحيانًا…
اللي يصعب عليك يفقرك من فلوسك،
لكن الأخطر أن يفقرك من مشاعرك،
ومن ثقتك،
ومن إنسانيتك.
وأقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يصبح فقيرًا في جيبه…
بل أن يصبح غنيًا بكل شيء، وفقيرًا في قلبه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot