الجمعة، 18 سبتمبر 2026

عندما نتحدث عن بيع أصول الدولة، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: «بكام هنبيع؟»

عندما نتحدث عن بيع أصول الدولة، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: «بكام هنبيع؟»
السؤال الأهم هو:
«ماذا نريد أن نفعل بهذه الأصول قبل أن نقرر مصير ملكيتها؟»

الحكومة المصرية تتحرك حاليًا لإعادة هيكلة برنامج التخارج من الأصول المملوكة للدولة، بالتزامن مع إعداد النسخة الثانية من وثيقة سياسة ملكية الدولة للفترة من 2026 إلى 2030، والتي تستهدف تعميق دور القطاع الخاص وإتاحة مساحة أكبر له في النشاط الاقتصادي.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية.

لأن «التخارج» ليس مجرد بيع شركة والحصول على حصيلة مالية.
هناك فرق بين أن تبيع أصلًا لتوفير سيولة مؤقتة

وأن تعيد هيكلة أصل ليصبح أكثر كفاءة، ثم تفتح ملكيته أمام مستثمر قادر على تطويره وتوسيعه.
الفرق بين الحالتين ضخم.
شركة خاسرة قد يكون لديها أصول وأراضٍ وعلامة تجارية وشبكة توزيع وخبرات بشرية.

إذا تم بيعها وهي في أضعف حالاتها، فقد تكون قيمتها أقل بكثير من قيمتها الاقتصادية المحتملة بعد إعادة الهيكلة.

وفي المقابل، الاحتفاظ بأصل غير كفء لمجرد أنه مملوك للدولة ليس حلًا أيضًا.
إذن المسألة ليست:
الدولة أم القطاع الخاص؟
بل:
ما الشكل الأكثر كفاءة لإدارة كل أصل؟
وهذا سؤال اقتصادي قبل أن يكون سياسيًا.

هناك أصول قد تحتاج إلى مستثمر استراتيجي.
وأصول أخرى قد يكون طرحها في البورصة مناسبًا.
وأصول يمكن تطويرها من خلال شراكة بين الدولة والقطاع الخاص.

وأصول قد تحتاج أولًا إلى إعادة هيكلة إدارية ومالية قبل اتخاذ قرار بشأن ملكيتها.

وهنا أرى أن نجاح سياسة التخارج يجب ألا يُقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل الخزانة.

بل يجب أن نسأل بعد خمس سنوات:
هل زادت إنتاجية هذه الشركات؟
هل توسعت الاستثمارات؟
هل زادت الصادرات؟
هل ارتفع عدد العاملين في الأنشطة المنتجة؟
هل تحسنت الإدارة؟
هل دخلت تكنولوجيا جديدة؟
هل أصبح الأصل يحقق قيمة اقتصادية أكبر؟
هذه هي المؤشرات التي ستخبرنا إذا كان التخارج قد خلق قيمة حقيقية أم كان مجرد عملية بيع.

والأمر نفسه ينطبق على القطاع الخاص.

دخول المستثمر الخاص ليس هدفًا في حد ذاته.
المهم هو ماذا سيفعل المستثمر بالأصل؟

إذا اشترى شركة ثم باع أصولها فقط، فهذه قصة مختلفة تمامًا عن مستثمر يضخ أموالًا، ويعيد تشغيل خطوط الإنتاج، ويطور الإدارة، ويفتح أسواقًا جديدة، ويزيد الطاقة الإنتاجية.

لذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يتعلق بمن يملك الأصل فقط.
بل بمن يستطيع استخراج القيمة منه.
ومصر أمام فرصة مهمة في السنوات المقبلة:

أن تتحول بعض الأصول التي كانت عبئًا على الإدارة والتمويل إلى منصات للنمو والاستثمار.

لكن ذلك يحتاج إلى شفافية في التقييم، وقواعد واضحة، ومنافسة حقيقية، ومستثمر لديه قدرة فعلية على التطوير، ومتابعة لما يحدث بعد انتقال الملكية.
لأن الهدف النهائي ليس أن نقول:
«بعنا الأصل.»

ولا حتى:
«دخل مستثمر جديد.»
الهدف أن نستطيع بعد سنوات أن نقول:

«هذا الأصل أصبح أكثر إنتاجًا وقيمة مما كان عليه.»
وهنا فقط يصبح التخارج إصلاحًا اقتصاديًا
وليس مجرد تغيير اسم المالك.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot