8 مليارات دولار من السياحة في 6 أشهر لكن كم مليارًا يمكن أن تصنعه السياحة خارج الفنادق؟
الأرقام الأخيرة عن السياحة المصرية تستحق التوقف.
إيرادات السياحة وصلت إلى نحو 8 مليارات دولار خلال النصف الأول من 2026، بالتزامن مع إضافة نحو 6 آلاف غرفة فندقية جديدة وزيادة الطاقة الاستيعابية للقطاع.
هذا تطور مهم بالتأكيد.
لكنني أعتقد أن السؤال الاقتصادي الأهم يبدأ بعد الرقم، وليس عنده.
كيف نحصل على قيمة أكبر من كل سائح يأتي إلى مصر؟
السائح لا يستهلك غرفة فندقية فقط.
هو يأكل.
وينتقل.
ويشتري.
ويزور مواقع أثرية.
ويستخدم خدمات.
ويشتري منتجات مصرية.
وقد يعود مرة أخرى، أو يوصي بمصر لغيره.
وهنا تتحول السياحة من مجرد مصدر للعملة الأجنبية إلى سلسلة اقتصادية ضخمة تمتد إلى قطاعات كثيرة.
تخيل مثلًا أن زيادة أعداد السياح تؤدي إلى زيادة الطلب على المنتجات الغذائية المحلية.
ثم تحتاج المطاعم والفنادق إلى موردين أكثر.
فيزداد الطلب على الزراعة والتصنيع الغذائي والتعبئة والنقل والخدمات اللوجستية.
وتزداد الحاجة إلى الحرف والمنتجات التراثية.
وتتوسع شركات التكنولوجيا التي تقدم حلول الحجز والدفع وإدارة الفنادق.
وتظهر فرص جديدة في الترفيه والنقل البحري والسياحة العلاجية والثقافية والبيئية.
هنا يصبح السائح محركًا لسلسلة قيمة كاملة، وليس مجرد شخص يدفع ثمن غرفة.
وهذا هو الفارق بين أن يكون لدينا قطاع سياحي كبير
وأن يكون لدينا اقتصاد سياحي كبير.
والأمر لا يتعلق فقط بعدد السائحين.
قد يأتي سائح وينفق مبلغًا محدودًا ثم يغادر.
وقد يأتي سائح آخر وينفق عدة أضعاف ذلك على الإقامة والطعام والتجارب والتسوق والترفيه.
لذلك فإن نجاح السياحة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد القادمين.
نحتاج أيضًا إلى النظر إلى:
متوسط إنفاق السائح.
مدة الإقامة.
عدد الزيارات المتكررة.
نسبة الإنفاق الذي يذهب إلى الشركات المصرية.
وحجم الوظائف والأنشطة الاقتصادية التي يولدها القطاع.
وهنا أرى فرصة كبيرة جدًا لمصر.
لدينا آثار لا يمكن تكرارها.
ولدينا شواطئ.
ومناخ.
ومدن تاريخية.
ولدينا موقع جغرافي يجعل مصر قريبة من أسواق ضخمة.
لكن الميزة الطبيعية وحدها لا تكفي.
العالم كله ينافس على السائح.
والسائح اليوم لا يشتري «وجهة» فقط.
هو يشتري تجربة كاملة.
من لحظة حجز الرحلة، إلى المطار، إلى الفندق، إلى الشارع، إلى المطعم، إلى الموقع السياحي، إلى التسوق، وحتى سهولة الدفع والانتقال.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة يجب ألا يكون هدفها فقط:
زيادة عدد السائحين.
بل أن نجعل كل سائح يترك قيمة اقتصادية أكبر خلفه.
أن يستفيد الفندق، والمطعم، والمزارع، والمصنع، وسائق النقل، والحرفي، وشركة التكنولوجيا، وصاحب المشروع الصغير.
عندها فقط تتحول السياحة من قطاع ناجح
إلى قاطرة حقيقية لقطاعات أخرى.
فالـ8 مليارات دولار رقم مهم.
لكن الرقم الذي يستحق أن نسأل عنه مستقبلًا هو:
كم مليار دولار أخرى يمكن أن تُخلق حول كل دولار ينفقه السائح في مصر؟
لأن قوة السياحة لا تقاس فقط بعدد من يزورون مصر
بل بعدد المصريين والقطاعات التي تستفيد اقتصاديًا من كل زائر.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق