الجمعة، 18 سبتمبر 2026

47.3 مليار دولار دخلت مصر من تحويلات المصريين بالخارج خلال عام واحد.رقم ضخم جدًا.

47.3 مليار دولار دخلت مصر من تحويلات المصريين بالخارج خلال عام واحد.
رقم ضخم جدًا.

وأعتقد أن الأهم من الرقم نفسه هو السؤال الذي يجب أن نطرحه:
ماذا نفعل بهذه الأموال بعد أن تصل؟
تحويلات المصريين بالخارج سجلت مستوى قياسيًا خلال السنة المالية 2025/2026، مرتفعة من نحو 36.5 مليار دولار في السنة السابقة، بينما ارتفعت الاحتياطيات الدولية إلى 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، وفق البيانات الحكومية.

وهنا يجب أن نفرّق بين شيئين:
التحويلات مصدر مهم للعملة الأجنبية لكنها في الأصل أموال أسر مصرية.

المصري الذي يعمل في الخارج ويرسل أمواله إلى أسرته لا يفكر بالضرورة في الاستثمار.
هو يدفع إيجارًا.
ومصاريف تعليم.
وعلاجًا.
ومعيشة.
وقد يشتري شقة أو سيارة أو يجهز مشروعًا صغيرًا.
وهذا كله نشاط اقتصادي مهم.

لكن ماذا لو استطعنا أن نخلق جزءًا إضافيًا من هذه الأموال في صورة استثمار منتج اختياري؟
ليس من خلال إجبار أحد على الاستثمار.
بل من خلال جعل الاستثمار واضحًا وسهلًا ومفهومًا ومتاحًا.

تخيل مثلًا أن المصري في الخارج يستطيع أن يعرف بسهولة:
ما المشروعات المتاحة؟
كم رأس المال المطلوب؟
ما العائد المتوقع؟
ما المخاطر؟
من يدير المشروع؟
وكيف يحصل على أمواله؟
وكيف يخرج من الاستثمار إذا أراد؟
هنا يتحول السؤال من:
«أين أضع مدخراتي؟»
إلى:
«هل أستطيع أن أجعل جزءًا من مدخراتي يعمل في الاقتصاد المصري؟»

وهذا يمكن أن يفتح بابًا هائلًا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والعقارات المنتجة، والسياحة، والطاقة، والخدمات، والتكنولوجيا، والزراعة الحديثة، وغيرها.

لكن هناك شرطًا أساسيًا:
الثقة.
المصري في الخارج لا يحتاج فقط إلى فرصة استثمارية.

يحتاج إلى معلومات واضحة، وإجراءات بسيطة، وحماية قانونية، وشفافية في الإدارة، وقدرة حقيقية على تحويل أمواله إلى أصل أو مشروع يمكنه متابعته.
لأن أكبر عدو للاستثمار ليس دائمًا انخفاض العائد.
أحيانًا يكون عدم وضوح الصورة.

والـ47.3 مليار دولار لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها تدفقًا نقديًا يساعد الاقتصاد.
هي أيضًا رسالة عن حجم القوة الاقتصادية للمصريين الموجودين خارج مصر.
ملايين المصريين يعملون في أسواق مختلفة، ويكتسبون خبرات، ويبنون علاقات، ويعرفون احتياجات أسواق أخرى.
إذن نحن لا نملك فقط أموالًا في الخارج.
نملك أيضًا خبرة وشبكات وعلاقات ومعرفة بالأسواق.
وهذه قد تكون قيمتها أكبر من الأموال نفسها.

لذلك أعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من مفهوم:
«المصري في الخارج مصدر للتحويلات»

إلى مفهوم أوسع:
«المصري في الخارج شريك محتمل في التنمية والاستثمار والتصدير ونقل المعرفة».
الفرق بين المفهومين كبير.
الأول ينظر إلى ما يرسله المصري.
أما الثاني فينظر إلى ما يستطيع المصري أن يبنيه.
47.3 مليار دولار رقم يستحق الاحتفاء.

لكن الرقم الأكبر الذي يستحق أن نحلم به هو:
كم مشروعًا جديدًا يمكن أن يولده جزء من هذه الأموال؟
وكم شركة يمكن أن تنشأ؟
وكم وظيفة؟
وكم منتج يمكن أن يصل إلى سوق جديد؟

لأن أفضل تحويل للأموال ليس فقط أن تدخل إلى البلد
بل أن تدخل، وتتحول إلى قيمة، ثم تنتج قيمة جديدة.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot