من الأخبار التي تستحق التوقف أمامها اليوم أن مصر تطرح للمرة الأولى الأراضي الصناعية بنظام الإيجار المنتهي بالتملك، في محاولة لتغيير واحدة من أكثر النقاط تعقيدًا أمام المستثمر الصناعي: تكلفة الأرض ورأس المال المطلوب في بداية المشروع. ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع لزيادة التصنيع المحلي وجذب الاستثمار الخاص وزيادة الصادرات غير البترولية.
الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تحمل في داخلها تغييرًا مهمًا في فلسفة الاستثمار الصناعي.
فالمستثمر لا يحتاج دائمًا إلى أن يمتلك الأرض منذ اليوم الأول حتى يستطيع أن يبني مصنعًا ناجحًا. أحيانًا تكون المشكلة أن جزءًا كبيرًا من رأس المال يُستهلك في شراء الأرض قبل أن يبدأ المشروع أصلًا في إنتاج جنيه واحد.
وعندما تُتاح الأرض بنظام الإيجار المنتهي بالتملك، يمكن أن يتحول جزء من هذا العبء الرأسمالي إلى التزام تدريجي، بينما يوجه المستثمر أمواله إلى المباني والآلات والخامات والتشغيل.
لكن نجاح النظام لن يتوقف على صيغة التعاقد وحدها.
السؤال الأهم هو: هل سيصبح الوصول إلى الأرض الصناعية أسرع وأسهل فعلًا؟
لأن المستثمر لا يخسر فقط عندما تكون الأرض غالية، وإنما يخسر أيضًا عندما يقضي شهورًا في الإجراءات، أو يحصل على الأرض ثم ينتظر المرافق، أو يواجه صعوبة في استخراج التراخيص، أو يجد نفسه أمام قواعد تتغير أثناء التنفيذ.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينظر إلى رحلة المصنع كاملة، وليس إلى مرحلة تخصيص الأرض فقط.
منصة التخصيص مهمة، ونظام الإيجار مهم، وتبسيط الإجراءات مهم، لكن المستثمر يريد في النهاية شيئًا واحدًا: أن ينتقل من الأرض إلى الإنتاج في أقصر وقت ممكن.
وهنا تظهر نقطة أخرى شديدة الأهمية.
إذا حصل مستثمر جاد على أرض بنظام ميسر، ثم أنشأ مصنعًا منتجًا، ووظّف عمالة، واشترى من موردين مصريين، وبدأ التصدير، فإن الدولة لا تكون قد تنازلت عن قيمة الأرض؛ بل تكون قد حولت الأرض إلى أصل اقتصادي يولد قيمة مضافة لسنوات.
أما إذا أصبحت الأرض نفسها هدفًا للمضاربة أو إعادة البيع، فلن نكون قد حللنا مشكلة الصناعة، وإنما غيرنا طريقة توزيع الأراضي فقط.
لذلك يجب أن يكون معيار النجاح واضحًا:
كم مصنعًا بدأ الإنتاج؟ وليس كم قطعة أرض تم تخصيصها.
وكم فرصة عمل نشأت؟ وكم زاد الإنتاج المحلي؟ وكم ارتفعت الصادرات؟ وكم من الصناعات المغذية ظهرت حول هذه المصانع؟
هذه المؤشرات هي التي ستكشف ما إذا كان النظام الجديد قد نجح بالفعل.
والأهم أن التوسع في إتاحة الأراضي يجب أن يصاحبه تمويل صناعي مناسب، ومرافق جاهزة، وإجراءات سريعة، وربط حقيقي بين المصنع وسلاسل التوريد والأسواق التصديرية.
لأن الأرض وحدها لا تصنع مصنعًا.
المصنع يبدأ من الأرض، لكنه لا ينجح إلا عندما تتحول الأرض إلى إنتاج.
وربما تكون هذه هي النقلة التي تحتاجها الصناعة المصرية الآن: ألا يصبح هدف السياسة الصناعية مجرد تخصيص المزيد من الأراضي، وإنما تحويل أكبر عدد ممكن من الأراضي المخصصة إلى مصانع تعمل وتنتج وتصدر وتستمر.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق