الأربعاء، 19 أغسطس 2026

من أكثر الملفات التي تستحق النقاش الآن في الاقتصاد المصري تركيز الصادرات في عدد محدود من الشركات.

من أكثر الملفات التي تستحق النقاش الآن في الاقتصاد المصري تركيز الصادرات في عدد محدود من الشركات. فقد أطلقت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية مبادرة «مصر تنطلق للتصدير» بهدف توسيع قاعدة المصدرين، في ظل الإشارة إلى أن نحو 50 شركة فقط تستحوذ على قرابة 45% من إجمالي الصادرات المصرية. 
وهذا الرقم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مشكلة في الشركات الكبرى؛ فوجود شركات كبيرة قادرة على التصدير بكميات ضخمة يمثل نقطة قوة للاقتصاد. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح قاعدة المصدرين ضيقة إلى هذه الدرجة.
لأن الاقتصاد الذي يعتمد على عدد محدود من المصدرين يكون أكثر تعرضًا للصدمات. فإذا واجهت إحدى الشركات الكبرى أزمة في الإنتاج، أو تراجعت أسعار المنتج الذي تصدره، أو تعرض أحد الأسواق الخارجية لاضطراب، يمكن أن ينعكس ذلك على جزء مهم من تدفقات العملة الأجنبية.
أما عندما يشارك آلاف المصنعين والشركات الصغيرة والمتوسطة في التصدير، فإن المخاطر تتوزع، والأسواق تتنوع، والمنتجات تتعدد.
ولهذا فإن توسيع قاعدة المصدرين قد يكون أهم من مجرد زيادة قيمة الصادرات في بعض الأحيان.
شركة صغيرة تصدر مليون دولار ليست مجرد مليون دولار إضافية إلى حصيلة التصدير؛ إنها أيضًا شركة تعلمت كيف تطابق منتجها مع مواصفات سوق خارجي، وكيف تتعامل مع الشحن والجمارك والدفع والتحصيل والتسويق الدولي. وإذا نجحت في سوق واحد، يمكنها أن تنتقل إلى سوقين ثم خمسة أسواق.
وهنا تظهر أهمية المبادرات التي تذهب إلى الشركات نفسها بدلًا من انتظار أن تأتي الشركات إلى الجهات الحكومية. فوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أعلنت أن مبادرة «مصر تنطلق للتصدير» تستهدف الوصول إلى الشركات، وبالأخص الصغيرة والمتوسطة، وتقديم الخدمات التي تساعدها على دخول الأسواق الخارجية. 
لكن هناك نقطة يجب ألا نغفل عنها.
ليس كل مصنع مؤهلًا للتصدير بمجرد أن نطلب منه ذلك.
قد يكون لديه منتج جيد، لكنه لا يملك شهادة الجودة المطلوبة. أو يستطيع الإنتاج لكنه لا يستطيع تمويل دورة رأس المال حتى يحصل على مستحقاته من المشتري الأجنبي. أو يملك منتجًا تنافسيًا لكنه لا يعرف السوق المستهدف. أو تكون تكلفة النقل والشحن مرتفعة لدرجة تلتهم هامش الربح.
لذلك، فإن بناء قاعدة مصدرين جديدة يحتاج إلى منظومة متكاملة: تمويل، وجودة، ولوجستيات، ومعلومات عن الأسواق، وتأمين ائتماني، وتسهيلات جمركية، وتسويق دولي.
والأهم أن نبدأ في النظر إلى الشركات الصغيرة باعتبارها مصدرًا محتملًا للعملة الأجنبية، وليس فقط مشروعات تحتاج إلى الدعم.
قد تكون إحدى الشركات التي تنتج اليوم للسوق المحلي قادرة بعد ثلاث سنوات على تصدير منتجاتها إلى أفريقيا أو الخليج أو أوروبا، إذا حصلت على التدريب والتمويل والمعلومات المناسبة.
وهنا يمكن أن يتحول ملف التصدير من مهمة عدد محدود من الشركات الكبرى إلى ثقافة اقتصادية واسعة.
فالمستهدف الحقيقي ليس أن تصبح لدينا 50 شركة تصدر أكثر.
بل أن يصبح لدينا آلاف الشركات التي تصدر، ومئات المنتجات المصرية التي تدخل أسواقًا جديدة، وعشرات الصناعات التي تبني سلاسل توريد كاملة حولها.
زيادة الصادرات مهمة، لكن توسيع قاعدة القادرين على التصدير قد يكون أكثر أهمية.
لأن الدولة التي تصدر من مصنعين معدودين تمتلك مصدرًا للعملة الأجنبية، أما الدولة التي تصدر من آلاف الشركات فتمتلك اقتصادًا تصديريًا حقيقيًا.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot