الخبر اللافت اليوم ليس فقط حجم الاستثمارات التي تُعلن في مصر، وإنما نوعية هذه الاستثمارات والقطاعات التي تتجه إليها. فمستثمرون أتراك يخططون لضخ نحو 150 مليون دولار لإنشاء سبعة مصانع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في قطاعات تشمل الغزل والنسيج والملابس وقطع غيار السيارات. وفي الوقت نفسه، شهدت المنطقة وضع حجر أساس مصنع باستثمارات 50 مليون دولار لتجميع أنظمة تخزين الطاقة.
وهنا تظهر نقطة تستحق النقاش: هل بدأت مصر بالفعل في الانتقال من مرحلة جذب الاستثمار إلى مرحلة اختيار الاستثمار الذي يخدم الاقتصاد؟
الفرق كبير.
فليس كل استثمار أجنبي متساويًا في أثره الاقتصادي. هناك مشروع يأتي ليبيع داخل السوق المحلية، ومشروع آخر يأتي ليصنع من مصر قاعدة للتصدير. هناك مصنع يعتمد على استيراد معظم مكوناته، ومصنع يستطيع أن يبني حوله شبكة من الموردين المحليين. وهناك استثمار يضيف وظائف فقط، واستثمار يضيف إلى جانب الوظائف تكنولوجيا وخبرة وسلاسل إنتاج جديدة.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للاستثمارات التي تدخل مصر حاليًا.
فالاستثمار في تصنيع أنظمة تخزين الطاقة، مثلًا، لا ينبغي النظر إليه كمصنع جديد فقط. العالم يتجه بسرعة نحو الطاقة المتجددة، لكن المشكلة الكبرى في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ليست دائمًا في توليد الكهرباء، وإنما في تخزينها وإدارتها. وبالتالي فإن بناء قدرة محلية في هذا المجال قد يفتح الباب أمام صناعة أكبر تمتد إلى البطاريات، وإلكترونيات القدرة، وأنظمة إدارة الطاقة، وخدمات الصيانة والتشغيل.
والأمر نفسه ينطبق على صناعة السيارات وقطع الغيار والمنسوجات.
المصنع الواحد يمكن أن يكون بداية لعشرات المصانع الصغيرة والمتوسطة التي تنتج مكوناته، وشركات الخدمات التي تدعمه، ومراكز التدريب التي توفر العمالة المتخصصة.
لكن ذلك لن يحدث تلقائيًا.
نحتاج إلى سياسة واضحة تربط المستثمر الأجنبي بالصناعة المصرية، وتدفع نحو زيادة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الموردين، وربط الإنتاج بالتصدير.
وهنا تأتي أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. فالموقع وحده لا يكفي. القيمة الحقيقية أن تتحول المنطقة إلى منصة إنتاج وتصدير، بحيث يستطيع المستثمر أن يدخل إليها بالمواد الأولية ويخرج منها بمنتج مصنّع يصل إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
والأهم أن الاستثمار يجب ألا يُقاس بقيمة العقد عند توقيعه.
فقد يكون مشروع بقيمة 50 مليون دولار أكثر تأثيرًا من مشروع بقيمة 500 مليون إذا استطاع أن يخلق صناعة مغذية كاملة حوله، ويولد صادرات مستمرة، وينقل تكنولوجيا، ويزيد نسبة المكون المحلي.
وهنا يمكن أن تكون المرحلة الحالية فرصة مهمة لمصر، لكن بشرط ألا يكون الهدف مجرد إعلان أرقام الاستثمارات.
الهدف الحقيقي هو أن تتحول كل استثمارات جديدة إلى نقطة بداية لسلسلة إنتاج مصرية أكبر.
فإذا جاء المستثمر وبنى مصنعًا، ثم وجد حوله موردين مصريين، وعمالة مدربة، وشركات تكنولوجيا وخدمات، ثم بدأ التصدير من مصر إلى الأسواق الخارجية، فنحن لا نكون قد جذبنا استثمارًا فقط.
نكون قد بنينا قطاعًا اقتصاديًا جديدًا.
وهذا هو الفارق بين دولة تبحث عن رأس المال، ودولة تجعل رأس المال وسيلة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وقدرة على المنافسة.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق