هناك ثروة اقتصادية لا تظهر في حسابات الموازنة، ولا تُقاس بعدد المصانع أو حجم الاستثمارات، لكنها قد تكون العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل أي اقتصاد: الثقة.
المستثمر لا يتخذ قراره بناءً على سعر الأرض وحده، ولا على قيمة الحوافز وحدها. قبل أن يضع أمواله في مشروع طويل الأجل، يريد أن يعرف شيئًا أبسط وأعمق: هل يستطيع أن يتوقع ما سيحدث بعد خمس أو عشر سنوات؟
هل القواعد التي بدأ بها المشروع ستظل مستقرة؟ هل الإجراءات واضحة؟ هل يستطيع تحويل أرباحه؟ هل يستطيع الحصول على مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب؟ وهل إذا حدث خلاف سيجد نظامًا قانونيًا سريعًا وواضحًا لحسمه؟
هذه الأسئلة قد لا تظهر في جداول تكلفة المشروع، لكنها تدخل في القرار الاستثماري بصورة مباشرة.
ولهذا فإن تحسين بيئة الاستثمار لا يعني فقط إصدار المزيد من القوانين أو إطلاق المزيد من المبادرات. أحيانًا يكون الإصلاح الأكثر تأثيرًا هو تقليل المفاجآت.
المستثمر يستطيع أن يتعامل مع تكلفة مرتفعة إذا كانت معروفة ويمكن حسابها. لكنه يجد صعوبة أكبر في التعامل مع تكلفة غير متوقعة أو إجراء غير واضح أو قرار يتغير بصورة مفاجئة.
والأمر نفسه ينطبق على المستثمر المحلي.
فصاحب المصنع المصري الذي يريد التوسع يحتاج إلى قدر من اليقين حتى يقترض ويشتري آلات ويوظف عمالًا ويدخل أسواقًا جديدة. إذا كان يشعر أن قواعد اللعبة قد تتغير قبل أن يسترد استثماره، فمن الطبيعي أن يصبح أكثر تحفظًا.
وهنا تظهر أهمية الاستقرار التشريعي والإداري.
ليس المطلوب أن تتوقف الدولة عن تطوير القوانين. الاقتصاد يتغير، والقواعد تحتاج إلى التحديث. لكن التغيير الناجح هو الذي يكون واضحًا، معلنًا، وله فترة انتقالية مناسبة، ويمنح الشركات القدرة على التخطيط.
الثقة أيضًا لا تُبنى بالتصريحات.
تبنى عندما يجد المستثمر أن الإجراء الذي يستغرق أسبوعًا فعلًا لا يستغرق شهرًا، وأن الرسوم معلنة، وأن المستندات المطلوبة واضحة، وأن الجهات الحكومية تتعامل معه وفق قواعد واحدة.
وقد يبدو هذا كله إداريًا، لكنه في الحقيقة اقتصاد من الدرجة الأولى.
فكل يوم تأخير في إنشاء مصنع هو تكلفة. وكل شهر انتظار للحصول على ترخيص هو رأس مال لا يعمل. وكل إجراء غير واضح يرفع درجة المخاطرة، وكل مخاطرة إضافية يضع المستثمر مقابلها سعرًا أعلى.
ولهذا فإن الدولة التي تريد جذب استثمارات طويلة الأجل لا تحتاج فقط إلى تقديم حوافز أكبر.
تحتاج إلى جعل المستثمر يشعر أن المستقبل قابل للحساب.
فالحافز قد يجذب المستثمر إلى المشروع، لكن الثقة هي التي تجعله يبقى، ويتوسع، ويعيد استثمار أرباحه.
وفي النهاية، قد يكون أهم أصل اقتصادي تستطيع أي دولة بناءه هو أن يعرف المستثمر، قبل أن يضع أمواله، ما الذي سيجده عندما يبدأ، وما الذي يمكنه توقعه عندما يتوسع.
لأن رأس المال يحب الربح، لكنه يخشى المفاجآت أكثر مما يخشى التكاليف.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق