السبت، 22 أغسطس 2026

هناك ملف اقتصادي لا يحظى بالقدر الكافي من النقاش رغم تأثيره المباشر في حياة الناس وفي قدرة الشركات على النمو: الإنتاجية.

هناك ملف اقتصادي لا يحظى بالقدر الكافي من النقاش رغم تأثيره المباشر في حياة الناس وفي قدرة الشركات على النمو: الإنتاجية.
يمكن أن نخفض الضرائب، ونقدم الحوافز، ونوفر التمويل، وننشئ مناطق صناعية جديدة، لكن إذا ظلت تكلفة إنتاج الوحدة مرتفعة، فلن تصبح الشركات المصرية أكثر قدرة على المنافسة لمجرد حصولها على هذه المزايا.
الإنتاجية تعني ببساطة أن ننتج أكثر باستخدام الموارد نفسها، أو أن ننتج الكمية نفسها بتكلفة أقل.
وهذا المفهوم يبدو بسيطًا، لكنه ربما يكون واحدًا من أصعب التحديات الاقتصادية.
فمصنع يعمل ثماني ساعات لإنتاج كمية معينة يمكنه، باستخدام تكنولوجيا أفضل وتنظيم أكثر كفاءة، أن ينتج الكمية نفسها في وقت أقل. وشركة تستخدم عشرة موظفين لإنجاز مهمة يمكنها، من خلال الرقمنة وإعادة تنظيم العمليات، أن تنجزها بخمسة موظفين دون انخفاض في الجودة.
الفارق هنا لا يأتي بالضرورة من زيادة الإنفاق، وإنما من إدارة أفضل للموارد.
ولهذا فإن الحديث عن تنافسية الصناعة المصرية يجب ألا يركز فقط على سعر الأرض أو تكلفة العمالة أو سعر الطاقة. هناك أسئلة أكثر أهمية: كم ساعة تعمل الآلات فعليًا؟ كم نسبة الفاقد؟ كم تستغرق عملية الإنتاج؟ كم مرة تتوقف خطوط الإنتاج؟ وما حجم المنتجات المعيبة؟ وكم من الوقت تستغرق دورة المخزون؟
هذه التفاصيل الصغيرة قد تحدد في النهاية ما إذا كان المصنع قادرًا على التصدير أم لا.
والأمر لا يتعلق بالمصانع وحدها.
الإنتاجية في الخدمات لا تقل أهمية. البنك الذي يستطيع إنجاز الخدمة في دقائق أكثر تنافسية من البنك الذي يحتاج العميل فيه إلى ساعات. والمستشفى الذي ينظم مواعيده وموارده بكفاءة يستطيع خدمة عدد أكبر من المرضى بالمعدات نفسها. وشركة النقل التي تستخدم البيانات لتقليل الرحلات الفارغة تستطيع خفض التكلفة دون شراء شاحنة جديدة.
وهنا تظهر أهمية التكنولوجيا، لكن التكنولوجيا وحدها ليست الحل.
يمكن شراء أحدث المعدات، ثم تظل الإنتاجية منخفضة بسبب سوء الإدارة أو ضعف التدريب أو غياب الصيانة الوقائية.
ولهذا فإن الاستثمار في العنصر البشري لا يقل أهمية عن الاستثمار في الآلات.
العامل المدرب يستطيع تشغيل المعدات بكفاءة أكبر، واكتشاف الأعطال مبكرًا، وتقليل الهدر، وتحسين الجودة. والمدير الذي يفهم البيانات يستطيع اتخاذ قرارات أسرع وأدق من المدير الذي يعتمد على الانطباعات.
وفي الاقتصاد العالمي، هذه الفروق تصبح حاسمة.
فالمنافس المصري لا ينافس مصنعًا في دولة أخرى بسبب قرب السوق فقط، وإنما ينافسه في الجودة والسعر والسرعة والالتزام بالمواعيد.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: كم مصنعًا جديدًا سنبني؟
بل:
كم مصنعًا قائمًا نستطيع أن نجعله أكثر إنتاجية؟
إذا نجحت مصر في رفع إنتاجية المصانع الحالية، وتقليل الفاقد، وتحسين الإدارة، وتطوير العمالة، وزيادة استخدام التكنولوجيا، فقد تحقق زيادة كبيرة في الإنتاج والصادرات دون الحاجة إلى مضاعفة عدد المصانع.
وهنا تكمن قوة الإنتاجية:
أن تجعل الاقتصاد ينمو ليس فقط لأنه يمتلك موارد أكثر، وإنما لأنه أصبح يعرف كيف يستخدم موارده بصورة أفضل.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot