السبت، 22 أغسطس 2026

هناك تحول هادئ لكنه مهم في المشهد الاقتصادي المصري: الاستثمار لم يعد يتحرك فقط نحو القاهرة

هناك تحول هادئ لكنه مهم في المشهد الاقتصادي المصري: الاستثمار لم يعد يتحرك فقط نحو القاهرة والمدن الصناعية التقليدية، وإنما بدأ يأخذ اتجاهًا أكبر نحو المناطق التي تمتلك موارد طبيعية ومزايا جغرافية خاصة.
قرار تعيين قيادة جديدة للهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية للمثلث الذهبي في أغسطس الجاري يعيد تسليط الضوء على منطقة تحمل واحدة من أكبر الفرص غير المستغلة في مصر؛ منطقة تجمع بين التعدين والصناعة والطاقة والنقل، ويمكن أن تتحول من مجرد منطقة غنية بالموارد إلى قاعدة صناعية متكاملة. 
المشكلة أن مصر اعتادت لفترات طويلة أن تنظر إلى الموارد الطبيعية باعتبارها شيئًا يُستخرج ويُباع، بينما القيمة الاقتصادية الأكبر غالبًا تبدأ بعد استخراج المورد.
الفوسفات، مثلًا، ليس مجرد خام يُستخرج من الأرض. يمكن أن يكون بداية لصناعة الأسمدة والكيماويات، ثم صناعات أخرى تعتمد على هذه المنتجات. وكذلك المعادن المختلفة؛ فبيع الخام يحقق عائدًا، لكن تحويله إلى منتجات وسيطة أو نهائية يخلق قيمة مضافة أكبر، ويوفر وظائف أكثر، ويزيد فرص التصدير.
وهنا تظهر أهمية المثلث الذهبي.
إذا نجحت الدولة في إنشاء منظومة تجمع التعدين مع الطاقة والمرافق والنقل والصناعة، فإنها تستطيع أن تنتقل من اقتصاد استخراج الموارد إلى اقتصاد تصنيع الموارد.
وهذا الفارق جوهري.
فالمصنع الذي يستخدم خامًا مصريًا لا يضيف قيمة إلى قطاع الصناعة فقط، وإنما يقلل أيضًا الحاجة إلى استيراد منتجات مصنعة من الخارج. وإذا أصبح المنتج منافسًا عالميًا، يتحول المورد الطبيعي إلى مصدر للعملة الأجنبية.
لكن النجاح لن يأتي بمجرد تخصيص الأراضي أو إصدار التراخيص.
المستثمر يحتاج إلى بنية تحتية، وطاقة مستقرة، ومياه، وطرق، وربط بالسكك الحديدية والموانئ، ونظام واضح للتراخيص، وإمكانية تصدير المنتج بتكلفة تنافسية.
كما أن الصناعات التعدينية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وفترات زمنية طويلة، ولذلك فإن وضوح القواعد واستقرارها ليسا رفاهية؛ بل جزء من قرار الاستثمار نفسه.
والأهم ألا تتحول المنطقة إلى مجموعة مشروعات منفصلة.
إذا أُنشئ مصنع أسمدة، يجب أن تنشأ حوله صناعات كيميائية وخدمات وموردون. وإذا أُقيم مشروع لمعالجة خام معين، فينبغي التفكير في المنتجات التي يمكن تصنيعها بعد المعالجة. وإذا دخل مستثمر أجنبي، يجب أن تكون هناك فرصة حقيقية للشركات المصرية للدخول في سلسلة التوريد.
هنا يصبح المشروع الواحد نواة لعشرات المشروعات.
وهذه ربما تكون إحدى أهم الفرص أمام مصر خلال السنوات المقبلة: أن تجعل الموارد الطبيعية نقطة بداية للصناعة، لا نهاية لعملية الإنتاج.
فالثروة ليست في أن نقول إن لدينا ذهبًا أو فوسفات أو معادن.
الثروة الحقيقية هي أن نستطيع تحويل هذه الموارد إلى منتجات، والمنتجات إلى صادرات، والصادرات إلى شركات قوية، والشركات إلى وظائف ومهارات وتكنولوجيا.
عندها فقط يتحول المورد الموجود تحت الأرض إلى قيمة حقيقية فوق الأرض.
المعركة المقبلة ليست على استخراج الثروة فقط، وإنما على من يستطيع أن يصنع منها أكبر قيمة ممكنة.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot