الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

النفاق السائد… حين أصبحت المصلحة لغة العلاقات


بقلم د. سلمي أبو النجا

لم يعد النفاق مجرد سلوك عابر نراه في بعض العلاقات، بل أصبح ظاهرة تستحق التوقف أمامها طويلًا.

ظاهرة أصبحنا نلمسها في تفاصيل حياتنا اليومية؛ في الصداقة، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، وحتى في بعض العلاقات التي كنا نظن يومًا أنها قائمة على المحبة والوفاء.

أصبحنا نعيش زمنًا غريبًا، يتعامل فيه البعض مع الإنسان وفقًا لما يستطيع أن يقدمه، لا وفقًا لما يحمله من قيم وأخلاق.

أصبح السؤال عند البعض ليس: "من أنت؟"
وإنما: "ماذا تستطيع أن تفعل من أجلي؟"

فإذا كنت تملك نفوذًا، فأنت مهم.
وإذا كنت تستطيع تقديم خدمة، فأنت عزيز.
وإذا كنت قادرًا على فتح باب مغلق، فأنت صديق العمر.
وإذا انتهت حاجتهم إليك… انتهى معها كثير من الود الذي كانوا يتظاهرون به.

وهنا تبدأ الحقيقة المؤلمة في الظهور.

النفاق الاجتماعي يقوم في جوهره على إظهار شيء وإخفاء شيء آخر، وقد يرتبط بالسعي إلى القبول أو تحقيق منفعة شخصية على حساب الصدق والاتساق بين القول والفعل. وتشير كتابات في علم النفس الاجتماعي إلى أن هذا النوع من السلوك يمكن أن يضعف الثقة ويؤثر في العلاقات الإنسانية.

لكن ما يؤلم أكثر ليس وجود المنافقين فقط، وإنما أن بعض الناس أصبحوا يتعاملون مع النفاق وكأنه ذكاء اجتماعي.

يبررون الكذب بأنه "شطارة".
ويبررون التملق بأنه "دبلوماسية".
ويبررون الوصولية بأنها "ذكاء".
ويعتبرون استغلال الآخرين نوعًا من "الفهلوة".

وهنا تكمن الكارثة.

فليس كل من يجيد الكلام إنسانًا ذكيًا، وليس كل من يعرف كيف يرضي الآخرين إنسانًا راقيًا.

هناك فرق كبير بين اللباقة والنفاق.

اللباقة أن تختار كلماتك حتى لا تؤذي إنسانًا.

أما النفاق فهو أن تقول له ما لا تؤمن به لأنك تريد منه شيئًا.

اللباقة احترام.

أما التملق فمصلحة.

الذكاء الاجتماعي يساعدك على بناء علاقات متوازنة، أما النفاق فيحوّل العلاقات إلى أدوات للوصول إلى الغايات.

ولعل أكثر ما يؤلم في هذا الزمن أن بعض العلاقات أصبحت أشبه بصفقات غير معلنة.

أنت تعطيني شيئًا، وأنا أعطيك شيئًا.

أنت ترفعني، وأنا أمدحك.

أنت تساعدني، وأنا أقترب منك.

أنت تفتح لي بابًا، وأنا أتذكرك.

أما إذا احتجت أنت يومًا إلى من وقف بجانبك، فقد تجد الباب مغلقًا، والهاتف لا يُجاب عليه، والرسائل بلا رد.

عندها فقط تكتشف أنك لم تكن صديقًا… كنت مصلحة مؤجلة.

هناك أشخاص لا يحبونك، وإنما يحبون ما تقدمه لهم.

لا يفتقدونك، وإنما يفتقدون فائدتك.

لا يسألون عن أحوالك، وإنما يسألون عن مدى قدرتك على مساعدتهم.

ولا يحزنون لغيابك، وإنما يحزنون عندما يكتشفون أن غيابك سيؤثر في مصالحهم.

وهؤلاء لا تحتاج إلى مواجهتهم.

الأيام وحدها كفيلة بكشفهم.

فالمواقف أقوى من ألف كلمة، والزمن قادر على إسقاط أكثر الأقنعة إحكامًا.

قد تستطيع أن تخدع إنسانًا يومًا، أو شهرًا، أو حتى سنوات، لكنك لن تستطيع أن تخدع المواقف إلى الأبد.

سيأتي اليوم الذي تحتاج فيه إلى من كنت تظنه قريبًا، وحينها ستعرف الحقيقة.

سيأتي اليوم الذي تتوقف فيه عن العطاء، فتراقب من سيبقى بجانبك.

ستضع حدودًا، فترى من يحترمها ومن يغضب منها.

ستقول "لا"، فتعرف من كان يحبك ومن كان يحب موافقتك.

وهنا يظهر معدن البشر.

فالصديق الحقيقي لا يقترب منك لأنك مفيد، ولا يبتعد عنك لأنك أصبحت عاجزًا عن تقديم شيء.

هو موجود لأنك أنت.

يفرح لنجاحك دون أن يشعر أنك أخذت شيئًا من نصيبه.

يقف بجانبك في ضعفك كما وقف بجانبك في قوتك.

لا يحتاج إلى مصلحة حتى يتذكرك.

ولا يحتاج إلى مناسبة حتى يسأل عنك.

ولا يحتاج إلى سبب حتى يكون إنسانًا.

لكننا، في المقابل، يجب ألا نقع في خطأ آخر؛ وهو أن نعمم.

فوسط هذا الكم من الزيف، ما زال هناك أناس نقيون.

ما زالت هناك قلوب تعرف معنى الوفاء.

وما زال هناك صديق يمكن أن تختلف معه دون أن يخذلك.

وما زال هناك إنسان يستطيع أن يقول لك الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة، لأنه يحترمك أكثر من رغبته في إرضائك.

وهذا هو الفرق بين الإنسان الحقيقي والمنافق.

الإنسان الحقيقي قد يختلف معك، لكنه لا يبيعك.
قد يغضب منك، لكنه لا يؤذيك من خلفك.
قد يرفض مساعدتك، لكنه لا يستغل حاجتك.
وقد يبتعد عنك، لكنه لا يقترب منك أصلًا لمصلحة.

أما المنافق، فهو بارع في ارتداء الوجوه.

وجه للصديق.

وجه للعمل.

وجه لصاحب النفوذ.

وجه لمن يملك المال.

وجه لمن يستطيع أن يقدم له خدمة.

حتى يصبح السؤال:
أين وجهه الحقيقي؟

والحقيقة أن النفاق لا يؤذي شخصًا واحدًا فقط، بل يقتل الثقة بين الناس.

عندما يكثر الكذب، يصبح الصادق موضع شك.

وعندما تكثر الخيانة، يصبح الوفاء شيئًا نادرًا.

وعندما تصبح المصلحة هي أساس العلاقات، يبدأ الإنسان في الشك حتى في المشاعر الصادقة.

وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع.

أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يصدق فيها كلمة "أحبك"، ولا "أنا بجانبك"، ولا "أنا أثق بك"، لأنه رأى كثيرًا من الكلمات الجميلة وهي تسقط أمام أول اختبار حقيقي.

ولهذا، نحن لا نحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يجيدون الكلام.

نحتاج إلى أشخاص يجيدون المواقف.

نحتاج إلى إنسان إذا وعد أوفى.

وإذا أحب صدق.

وإذا اختلف احترم.

وإذا غضب لم ينتقم.

وإذا ساعد لم يمنّ.

وإذا أعطى لم ينتظر المقابل.

نحتاج إلى علاقات لا تقوم على سؤال:
"ماذا سأحصل منك؟"

بل على سؤال أجمل:

"ماذا يمكنني أن أقدم لك دون أن أنتظر شيئًا في المقابل؟"

وفي النهاية، لا أعتقد أن الحل هو أن نصبح قساة لمجرد أننا تعرضنا للنفاق.

ولا أن نغلق قلوبنا لأن بعض الأشخاص لم يكونوا صادقين.

الحل أن نتعلم.

أن نعطي، لكن بوعي.

أن نحب، لكن دون أن نفقد أنفسنا.

أن نثق، لكن بعد أن تثبت المواقف أن الثقة في مكانها.

أن نساعد، لكن دون أن نسمح لأحد بتحويل طيبتنا إلى باب للاستغلال.

وأن نفهم أن وضع الحدود ليس قسوة، وأن الابتعاد عن العلاقات المؤذية ليس غرورًا، وأن اكتشاف حقيقة بعض الأشخاص ليس فشلًا منا.

أحيانًا يكون اكتشاف الحقيقة هو أعظم درس تمنحنا إياه الحياة.

فلا تحزن عندما يسقط شخص من عينك.

ولا تحزن عندما تنتهي علاقة اكتشفت أنها كانت قائمة على المصلحة.

ولا تطارد من ابتعد عندما توقفت عن تقديم ما يريد.

دعه يذهب.

فمن جاء إليك من أجل مصلحة، سيذهب عندما تنتهي المصلحة.

أما من جاء إليك من أجل قلبك وإنسانيتك، فسيبقى حتى عندما لا يكون لديك ما تعطيه سوى وجودك.

وفي زمن أصبح فيه النفاق منتشرًا، والمصلحة لغة يتقنها الكثيرون، تظل الحقيقة البسيطة هي الأجمل:

لا تحتاج أن تكون مهمًا عند الجميع… يكفي أن تكون حقيقيًا عند من يحبك بصدق.

فالمنافق قد يملك الكثير من العلاقات، لكنه لا يملك بالضرورة علاقة واحدة حقيقية.

وقد يحيط نفسه بعشرات الأشخاص، لكنه قد يجد نفسه وحيدًا عندما تسقط عنه الأقنعة.

أما الإنسان الصادق، فقد تكون دائرته صغيرة، لكنه ينام مرتاح الضمير.

وفي النهاية…

ليس كل من اقترب منك أحبك، وليس كل من ابتعد عنك كرهك.

أحيانًا يقترب البعض لأنهم يحتاجونك، ويبتعد البعض لأنهم لم يستطيعوا استغلالك.

وبين الاثنين…

تبقى المواقف وحدها هي الحقيقة.

بقلم
د. سلمي أبو النجا

هناك تعليق واحد:

  1. بسم الله ماشاء الله تبارك الرحمن احسنتى النشر يا دكتوره حفظكم الله ورعاكم بجد كلام جميل جدا

    ردحذف

Post Top Ad

Your Ad Spot