بقلم: د. سلمي أبو النجا
هناك أشياء لا تؤلمنا لأنها تحدث مرة، وإنما تؤلمنا لأنها أصبحت تتكرر حتى اعتدناها، وأصبح البعض يتعامل معها وكأنها جزء طبيعي من الحياة.
ومن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع أن يشعر الإنسان أن كفاءته وحدها لا تكفي، وأن اجتهاده وشهاداته وسنوات تعبه قد تقف عاجزة أمام هاتف من شخص صاحب نفوذ، أو معرفة تفتح بابًا كان مغلقًا أمامه.
وهنا لا نتحدث عن شخص بعينه، ولا عن مؤسسة بعينها، وإنما نتحدث عن ظاهرة إذا انتشرت وأصبحت ثقافة، فإنها لا تظلم فردًا فقط، بل تظلم وطنًا بأكمله.
فالواسطة حين تُستخدم للحصول على حق مستحق، قد تكون شفاعة حسنة، أما حين تتحول إلى وسيلة لمنح إنسان ما لا يستحق، وحرمان إنسان آخر من حقه لأنه لا يملك الواسطة، فإننا نكون أمام مشكلة حقيقية اسمها غياب العدالة.
وقد وضع القرآن الكريم قاعدة لا تحتمل التأويل حين قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
[النساء: 58]
"إلى أهلها"... كلمة تختصر الكثير.
أي أن المسؤولية ينبغي أن تذهب إلى أهلها، والمكان ينبغي أن يذهب إلى من يستحقه، والفرصة ينبغي أن تمنح لمن يستطيع أن يحملها.
لأننا عندما نضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب فقط لأنه يمتلك علاقة أو نفوذًا، فإننا لا نساعده وحده، بل نضعف المؤسسة التي يعمل بها، ونضر الناس الذين سيتعاملون معه، ونؤخر المجتمع خطوة إلى الخلف.
والأخطر من ذلك أن الإنسان الكفء حين يرى أن تعبه لا يُقدَّر، قد يفقد الأمل.
والشاب الذي قضى سنوات يدرس ويتعلم ويطور نفسه، ثم يجد أن فرصة كان يستحقها ذهبت إلى شخص أقل كفاءة لمجرد أنه "يعرف فلانًا"، ماذا نطلب منه بعد ذلك؟
كيف نطالبه بأن يجتهد؟
كيف نقول له: تمسك بحلمك؟
كيف نقنعه بأن البلد تحتاج إلى علمه وكفاءته، بينما الواقع أمام عينيه يقول له شيئًا آخر؟
إن أخطر ما تفعله الواسطة ليس أنها تمنح شخصًا فرصة لا يستحقها، وإنما أنها تقتل الإيمان بالاجتهاد داخل نفوس المستحقين.
والعدل ليس مجرد كلمة جميلة نقولها في الخطب والمناسبات، وإنما هو أساس استقرار المجتمعات.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
متفق عليه.
والمسؤولية ليست فقط مسؤولية صاحب المنصب الكبير.
فكل إنسان مسؤول عن المكان الذي وُضع فيه، وعن القرار الذي يتخذه، وعن الفرصة التي يمنحها، وعن الحق الذي يمنعه.
المسؤول الذي يختار الأكفأ، يحافظ على وطنه.
والذي يختار الأقل كفاءة لمجرد علاقة أو مصلحة، قد لا يدرك أنه يضع حجرًا جديدًا في طريق تقدم هذا الوطن.
نحن لا نحتاج فقط إلى قوانين أكثر، وإنما نحتاج إلى ضمائر أكثر.
نحتاج إلى أن يفهم كل صاحب سلطة أن المنصب ليس امتيازًا شخصيًا، وإنما أمانة.
وأن توقيعًا واحدًا قد يغير حياة إنسان.
وأن قرارًا واحدًا غير عادل قد يحطم سنوات من تعب شخص آخر.
وأن إعطاء الفرصة لمن لا يستحق قد يعني في المقابل سرقة الفرصة من شخص يستحقها.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]
فالعدل مطلوب حتى عندما نختلف، وحتى عندما لا نحب، وحتى عندما لا تربطنا بالشخص أي مصلحة.
وهنا تكمن عظمة العدل.
أن تعطي الإنسان حقه لأنه يستحقه، وليس لأنه قريب منك.
وأن ترفض الظلم حتى لو كان المستفيد منه شخصًا تحبه.
وأن تقول "لا" عندما تكون "نعم" هي الطريق الأسهل لمصلحتك.
إن بناء وطن قوي لا يكون فقط بالشوارع والمباني والمشروعات، وإنما قبل كل ذلك ببناء الإنسان.
والإنسان الذي يشعر أن بلده تنظر إلى قدرته قبل واسطته، وإلى علمه قبل علاقاته، وإلى أخلاقه قبل نفوذه، سيكون أكثر انتماءً، وأكثر استعدادًا للعطاء.
أما إذا أصبح النجاح مرتبطًا بالعلاقات أكثر من الكفاءة، فإننا لا نخسر شخصًا واحدًا فقط، بل نخسر أجيالًا كاملة كانت يمكن أن تصنع فرقًا.
ولذلك، ربما نحتاج جميعًا أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا:
هل عندما تأتينا فرصة في أيدينا، نبحث عن الشخص الذي يستحقها... أم عن الشخص الذي نعرفه؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف لنا الكثير عن واقعنا.
فالوطن لا يحتاج أن يكون كل أبنائه أصحاب نفوذ.
الوطن يحتاج أن يكون كل أبنائه أصحاب ضمير.
لأن الواسطة قد تفتح بابًا لإنسان، لكن العدل وحده يستطيع أن يفتح أبواب المستقبل لوطن بأكمله.
بقلمي ✍🏻
د. سلمي أبو النجا
بسم الله ماشاء الله تبارك الرحمن احسنتى النشر والمقال يادكتوره سلمى بجد كلام جميل جدا وبيحكى الواقع إلى إحنا عايشينه وأجمل شىء فى مقال حضرتك إنك بتستدلى بالقران والسنه النبويه الشريفه
ردحذف