بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
شهدت مدرسة قليوب التجارية بنات بمحافظة القليوبية خلال الأيام الماضية واقعة أثارت حالة واسعة من الجدل والاستياء، بعدما تعرضت مديرة المدرسة لحالة إغماء عقب مشادة وقعت أثناء زيارة تفقدية لمدير إدارة قليوب التعليمية، وانتهى الأمر بنقلها إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية وإجراء الفحوصات اللازمة.
وبحسب ما نشرته مصادر صحفية، بدأت الواقعة أثناء جولة تفقدية لمدير الإدارة التعليمية داخل المدرسة، برفقة مدير أمن الإدارة، حيث وقعت مشادة بين مدير الإدارة ومديرة المدرسة، فيما نقلت مصادر مطلعة أن المشادة تطورت إلى دفع للمديرة، قبل أن تسقط أرضًا وتتعرض للإغماء، الأمر الذي استدعى طلب سيارة الإسعاف ونقلها إلى المستشفى.
وفي المقابل، ظهرت رواية أخرى على لسان مدير إدارة قليوب التعليمية، أكد خلالها أنه لم يوجه أي اعتداء إلى مديرة المدرسة، موضحًا أن الواقعة بدأت بعدما رصد خلال جولته خروج خمس مدرسات من المدرسة دون إذن، وأنه تم إثبات الواقعة، ثم حدث اعتراض وصوت مرتفع داخل المدرسة، قبل أن تتعرض المديرة لحالة تعب وإغماء ونُقلت على إثرها إلى المستشفى.
وهنا تبرز أهمية التحقيق الرسمي؛ فبين رواية تتحدث عن تعدٍّ ودفع، ورواية تنفي حدوث أي اعتداء، لا يجوز أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي أو الانطباعات الشخصية هي الجهة التي تحسم الحقيقة. الفيصل الحقيقي يجب أن يكون التحقيق الإداري والقانوني، وشهادات الموجودين داخل المدرسة، وما قد تتضمنه كاميرات المراقبة، إلى جانب التقارير الطبية وأقوال جميع الأطراف دون استثناء.
إن المدرسة ليست مكانًا للخلافات الشخصية أو الانفعالات، وإنما مؤسسة تربوية يفترض أن تكون نموذجًا للانضباط والاحترام وسيادة القانون. وإذا كان هناك تقصير من أي موظف أو معلم أو مسؤول، فهناك لوائح وإجراءات رسمية للتحقيق والمساءلة، ولا يمكن أن تتحول السلطة الإدارية إلى وسيلة للإهانة أو الترهيب أو الاعتداء على كرامة أي موظف.
وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على الانضباط داخل المدارس مسؤولية لا خلاف عليها. ومن حق مدير الإدارة التعليمية أن يتابع انتظام العمل، ويرصد أي مخالفات أو حالات خروج دون إذن، وأن يتخذ الإجراءات القانونية حيالها، ولكن في إطار الاحترام الكامل للضوابط والقواعد المنظمة للعمل، بعيدًا عن الانفعال أو التصعيد.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن كرامة الموظف أياً كان موقعه الوظيفي يجب أن تكون مصونة، كما أن المسؤول الإداري نفسه له الحق في أن تتم محاسبته أو الدفاع عن نفسه وفق الإجراءات القانونية العادلة. ولذلك فإن المطلوب ليس الانحياز لطرف ضد آخر، وإنما الوصول إلى الحقيقة كاملة، ومحاسبة من يثبت خطؤه وفق القانون.
وتزداد أهمية هذه الواقعة لأن المؤسسات التعليمية أمام الطلاب والعاملين يجب أن تقدم نموذجًا للانضباط الحضاري وحل الخلافات بالحوار والقانون. فلا يجوز أن تتحول الخلافات الإدارية إلى مشاهد تهز صورة المؤسسة التعليمية أو تخلق حالة من الخوف والاحتقان بين العاملين.
كما أن ما حدث يستوجب مراجعة آليات التعامل مع الخلافات داخل الإدارات التعليمية والمدارس، والتأكيد على وجود قنوات واضحة وسريعة لتقديم الشكاوى والتظلمات، بحيث يستطيع أي موظف عرض شكواه أو اعتراضه دون خوف، وفي الوقت نفسه تستطيع الإدارة اتخاذ الإجراءات اللازمة دون تجاوز أو تصعيد.
ونحن نناشد وزارة التربية والتعليم ومديرية التربية والتعليم بالقليوبية والجهات الرقابية المختصة سرعة الوقوف على جميع تفاصيل الواقعة، والاستماع إلى كل من كان حاضرًا، وفحص أي تسجيلات أو مستندات متعلقة بها، والاطلاع على التقرير الطبي الخاص بمديرة المدرسة، ثم إعلان ما تسمح به الإجراءات القانونية من نتائج بكل شفافية.
وفي النهاية، فإن الرسالة الأهم ليست الدفاع عن شخص أو إدانة شخص قبل انتهاء التحقيق، وإنما الدفاع عن هيبة المدرسة وكرامة العاملين وسيادة القانون. فالمؤسسة التعليمية لا تُبنى بالصوت المرتفع أو القوة، وإنما بالاحترام والانضباط والعدل، وأي تجاوز يثبت وقوعه يجب أن يواجه بالإجراءات القانونية المناسبة، حتى تبقى مدارسنا أماكن آمنة للطلاب والمعلمين والإداريين جميعًا.
إن احترام كرامة الإنسان داخل مكان عمله ليس رفاهية، والانضباط الإداري لا يعني أبدًا إهدار الكرامة.. وبين الاثنين يقف القانون باعتباره الحكم العادل الذي يجب أن يحتكم إليه الجميع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق