الأحد، 30 أغسطس 2026

حين اشتعلت الحاضنات.. مأساة إنسانية تهز جمهورية باكستان الإسلامية

بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان

لم يكن صباح السادس والعشرين من أغسطس 2026 صباحًا عاديًا في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، فقد تحولت إحدى المنشآت الطبية التي يفترض أن تكون ملاذًا للأمان والعلاج إلى مسرح لمأساة إنسانية موجعة، بعدما اندلع حريق داخل جناح رعاية حديثي الولادة في معهد باكستان للعلوم الطبية (PIMS)، أحد أكبر المستشفيات الحكومية في العاصمة.

كانت الكارثة أكثر قسوة لأن الضحايا لم يكونوا مرضى قادرين على طلب النجدة أو الفرار، وإنما أطفال حديثو الولادة، بعضهم كان داخل الحاضنات وتحت أجهزة الأكسجين، في انتظار فرصة للحياة. ووفق أحدث المعلومات، كان داخل الجناح 15 رضيعًا، لم ينجُ منهم سوى طفل واحد، بينما توفي 14 رضيعًا في الحريق.

وتشير التقارير الأولية إلى أن الحريق اندلع في الطابق الثالث من جناح الأم والطفل، وأن شرارة أو انفجارًا مرتبطًا بوحدة تكييف هواء كان من أسباب اندلاع النيران، بينما ساهم وجود الأكسجين في سرعة انتشار الحريق وخطورة الوضع داخل الجناح. لكن القضية لم تعد مجرد سؤال عن مصدر الشرارة، بل أصبحت سؤالًا أكبر عن مدى جاهزية المستشفى للتعامل مع حريق داخل وحدة تضم أطفالًا غير قادرين على الحركة.

والأخطر أن التحقيقات الأولية كشفت عن أوجه قصور في منظومة السلامة، من بينها عدم وجود نظام رش آلي للمياه في الجناح، فضلًا عن وجود تساؤلات حول إجراءات الطوارئ ومسارات الإخلاء والاستجابة للحريق. ووفق نتائج التحقيق الأولي التي أعلنت اليوم، تم تعليق مسؤوليات ثمانية مسؤولين وفتح إجراءات جنائية بحق من تثبت مسؤوليته.

إن المشهد الذي خلفه الحريق لا يمكن اختزاله في أرقام الضحايا؛ فخلف كل طفل من هؤلاء الأطفال أسرة كانت تنتظر عودته، وأم كانت تتعلق بأمل أن ترى طفلها يكبر، وأب كان ينتظر أن يحمل مولوده إلى منزله. ولذلك فإن أي تحقيق عادل يجب ألا يكتفي بتحديد الشرارة التي بدأت الحريق، بل يجب أن يبحث في كل حلقة من حلقات المسؤولية: إجراءات السلامة، أجهزة الإنذار، مخارج الطوارئ، وسائل الإطفاء، تدريب العاملين، سرعة الاستجابة، ومدى الالتزام بمعايير حماية المرضى.

ومن منظور حقوق الإنسان، فإن الحق في الحياة لا يتوقف عند باب المستشفى، بل إن المنشأة الطبية تتحمل مسؤولية مضاعفة في حماية المرضى، خصوصًا الأطفال حديثي الولادة الذين يعتمدون بصورة كاملة على الأجهزة الطبية والعاملين من أجل البقاء. ولا يجوز أن تتحول المستشفيات إلى أماكن تفتقر إلى أبسط متطلبات الحماية من الحرائق، بينما تكون أرواح المرضى معلقة بين الأجهزة والأسلاك والحاضنات.

وقد أعلنت السلطات الباكستانية فتح تحقيق، واتخذت إجراءات بحق عدد من المسؤولين، كما تقرر تقديم تعويضات لأسر الضحايا، مع تكريم ممرضة ساهمت في إنقاذ أحد الأطفال. وهذه الخطوات مهمة، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية القضية، بل بداية لمراجعة شاملة لإجراءات السلامة في المستشفيات، وخاصة أقسام الأطفال وحديثي الولادة والعناية المركزة.

إن المأساة التي شهدتها إسلام آباد يجب أن تتحول إلى درس حقيقي لا إلى خبر عابر. المطلوب ليس فقط محاسبة المقصرين، وإنما التأكد من أن كل مستشفى، وكل حضانة أطفال، وكل وحدة عناية مركزة، تمتلك أنظمة إنذار وإطفاء وإخلاء فعالة، وأن العاملين مدربون بصورة دورية على التعامل مع الحرائق والكوارث، وأن عمليات التفتيش على إجراءات السلامة تتم بصورة حقيقية ومنتظمة.

ومن هنا، فإننا نطالب الجهات المختصة في جمهورية باكستان الإسلامية بإعلان نتائج التحقيق كاملة للرأي العام، وتحديد المسؤوليات بوضوح، واتخاذ إجراءات رادعة بحق أي شخص يثبت تقصيره أو إهماله، مع وضع خطة عاجلة لمراجعة إجراءات السلامة في جميع المستشفيات الحكومية والخاصة، وخاصة وحدات حديثي الولادة والعناية المركزة.

إن أرواح الأطفال ليست أرقامًا في بيان رسمي، ودموع الأمهات لا يمكن أن تجف بمجرد إعلان التعويضات. العدالة الحقيقية تبدأ عندما نعرف لماذا مات هؤلاء الأطفال، ومن كان يستطيع منع الكارثة ولم يفعل، وكيف يمكن ضمان ألا تتكرر المأساة مرة أخرى.

وفي النهاية، نتقدم بخالص التعازي والمواساة إلى أسر الأطفال الضحايا وإلى الشعب الباكستاني الشقيق، ونسأل الله أن يلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يحفظ الأطفال والمرضى في كل مكان. كما نؤكد أن حماية الإنسان وحقه في الحياة والرعاية الآمنة مسؤولية مشتركة، وأن احترام حقوق الإنسان يبدأ قبل وقوع الكارثة، بالوقاية والمساءلة وحماية الأرواح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot