بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
لم تعد الخلافات على الميراث مجرد نزاعات عائلية تنتهي بجلسة صلح أو كلمة عتاب، فالمأساة التي شهدتها إحدى قرى مركز بني مزار بمحافظة المنيا تكشف إلى أي مدى يمكن أن ينزلق الخلاف عندما يغيب العقل وتتحول الحقوق المالية إلى صراع، لتنتهي المأساة بسقوط شقيق قتيلًا على يد شقيقه. �
مصراوي.كوم +١
وبحسب التحريات الأولية، بدأت الواقعة بخلاف بين شقيقين حول الميراث، وتحديدًا بشأن منزل وقطعة أرض، قبل أن تتطور المشادة الكلامية إلى تشابك واعتداء باستخدام سلاح أبيض «سكين»، أصيب خلاله أحد الشقيقين إصابات بالغة أودت بحياته. �
فيتو +١
وفور تلقي الأجهزة الأمنية بمديرية أمن المنيا البلاغ، انتقلت قوة أمنية إلى مكان الواقعة برفقة سيارات الإسعاف، وبدأت أعمال الفحص وجمع المعلومات للوقوف على حقيقة ما حدث، فيما جرى ضبط المتهم والسلاح المستخدم، وتحرير محضر بالواقعة وإخطار النيابة العامة التي باشرت التحقيقات. �
مصراوي.كوم +١
المشهد الأكثر قسوة في هذه الجريمة أن طرفي الواقعة شقيقان، يجمعهما منزل واحد وذكريات ودم واحد، لكن الخلاف على مال أو أرض انتهى بإزهاق روح لا يمكن إعادتها، وترك أسرة كاملة أمام صدمة وفقد لا يعالجه أي ميراث ولا تعوضه أي أموال.
وهنا يجب أن نتوقف أمام السؤال الأخطر: كيف يمكن أن تتحول حقوق الميراث إلى سبب للقتل؟ إن الخلاف على التركة مهما كان حجمه لا يمكن أن يكون مبررًا للعنف، فالقانون وضع طرقًا لحسم النزاعات، واللجوء إلى القضاء والطرق القانونية هو السبيل لحفظ الحقوق، وليس السلاح أو الاعتداء.
إن هذه الواقعة ليست مجرد حادث جنائي عابر، وإنما جرس إنذار اجتماعي يدعونا إلى إعادة النظر في طريقة تعامل بعض الأسر مع النزاعات المالية والعائلية، خاصة أن الخلافات التي تبدأ بكلمة غاضبة قد تتحول خلال دقائق إلى كارثة لا يستطيع أحد التراجع عنها.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن الحق في الحياة يظل أقدس من أي نزاع مالي، ولا يمكن أن يصبح منزل أو قطعة أرض أو نصيب في ميراث سببًا في إنهاء حياة إنسان. ومن هنا تأتي أهمية نشر الوعي القانوني والاجتماعي بين الأسر، والتأكيد على أن حل النزاعات يجب أن يكون عبر القانون والحوار، بعيدًا عن العنف والتهديد.
كما نوجه رسالة إلى كل أسرة تشهد خلافًا على ميراث: لا تجعلوا المال سببًا في قطع صلة الرحم، ولا تسمحوا للخلافات أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة. وإذا تعذر الوصول إلى اتفاق، فهناك القضاء والقانون والجهات المختصة التي تستطيع الفصل في الحقوق بعيدًا عن الانفعال.
وفي الوقت نفسه، نثمن سرعة تحرك الأجهزة الأمنية في التعامل مع البلاغ وضبط المتهم والسلاح المستخدم، ونؤكد أهمية استكمال التحقيقات بكل شفافية للوصول إلى الحقيقة الكاملة، مع احترام قرينة البراءة وعدم إصدار أحكام مسبقة قبل انتهاء التحقيق والمحاكمة.
إن ما حدث في بني مزار يجب أن يكون رسالة قوية لكل من يعتقد أن القوة تستطيع انتزاع الحقوق؛ فالحقوق لا تُنتزع بالسكين، والمواريث لا تُقسم بالدم، وصلة الرحم لا يجب أن تنتهي بجريمة. المال يمكن تعويضه، والأرض يمكن تقسيمها، والنزاع يمكن حسمه بالقانون، أما الإنسان فإذا فقد حياته فلا توجد محكمة في العالم تستطيع إعادته إلى أسرته.
وفي الختام، نتقدم بخالص التعازي إلى أسرة المجني عليه، ونسأل الله أن يلهمهم الصبر والسلوان، ونناشد جميع الأسر المصرية الاحتكام إلى القانون والعقل، وأن تكون هذه المأساة دافعًا حقيقيًا لمواجهة ثقافة العنف داخل الأسرة، وترسيخ قيم التسامح وصلة الرحم واحترام حق الإنسان في الحياة.
**فالميراث حق.. ولكن الحياة حق أكبر، والدم لا يمكن أن يكون ثمنًا لأي قطعة أرض أو منزل.**
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق