الأحد، 30 أغسطس 2026

عندما يصبح الماء قضية استثمارية

لفترة طويلة، كان الحديث عن الاستثمار في مصر يدور حول الأرض والطاقة والتمويل والعمالة. لكن هناك موردًا آخر سيصبح تأثيره أكبر مع الوقت: المياه.
ومع التوسع الصناعي والزراعي والعمراني، لم يعد السؤال فقط: أين نبني المشروع؟ وكم تكلفته؟
بل أصبح السؤال: كم يحتاج من المياه؟ ومن أين ستأتي؟ وكيف سنتعامل معها بعد استخدامها؟
وهنا يجب أن يتغير تفكيرنا في الاستثمار.
المصنع الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه دون إعادة استخدام جزء منها قد يحمل تكلفة تشغيلية ومخاطر مستقبلية أعلى من مصنع يستخدم تكنولوجيا أكثر كفاءة، حتى لو كانت تكلفة إنشاء الأخير أكبر.
وهذا يعني أن كفاءة استخدام المياه يجب أن تدخل في حسابات دراسة الجدوى منذ اليوم الأول، لا أن تُترك كموضوع بيئي بعد بدء التشغيل.
والأمر لا يتعلق بالصناعة فقط.
الزراعة تستهلك النصيب الأكبر من الموارد المائية، وبالتالي فإن الانتقال إلى محاصيل ذات قيمة اقتصادية أعلى، وتحسين نظم الري، وتقليل الفاقد، وإعادة استخدام المياه المعالجة، كلها ليست قضايا بيئية فقط؛ إنها قرارات اقتصادية.
بل يمكن أن تتحول إلى فرص استثمارية ضخمة.
تقنيات معالجة المياه، وإعادة الاستخدام، والتحلية، وأنظمة الري الذكي، وأجهزة قياس الاستهلاك، ومعالجة مياه الصرف الصناعي، كلها قطاعات يمكن أن تنمو مع زيادة الطلب على المياه.
وهنا توجد فرصة أخرى للصناعة المصرية.
بدلًا من استيراد كل التكنولوجيا والمعدات المستخدمة في هذه المنظومة، لماذا لا نبدأ تدريجيًا في توطين صناعة حلول المياه؟
فالمطلوب ليس فقط إنشاء محطات معالجة، وإنما تصنيع المضخات والمعدات وأجهزة القياس والأغشية والمكونات وأنظمة التحكم والصيانة.
وإذا نجحت الشركات المصرية في تطوير هذه الصناعات، فلن يكون السوق المصري وحده هو المستهدف.
الدول العربية والأفريقية تواجه التحدي نفسه بدرجات مختلفة، ما يعني أن التكنولوجيا التي يتم تطويرها في مصر يمكن أن تتحول لاحقًا إلى منتج تصديري.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة:
أكبر الفرص الاستثمارية أحيانًا لا تكون في المشكلة نفسها، وإنما في الحل الذي تحتاجه المشكلة.
ارتفاع الطلب على المياه يخلق تحديًا، لكنه في الوقت نفسه يخلق سوقًا ضخمة للتكنولوجيا والخدمات.
وهذا ينطبق على الطاقة أيضًا.
عندما ترتفع تكلفة الطاقة، تظهر فرص الاستثمار في كفاءة الطاقة والطاقة الشمسية والتخزين وإدارة الأحمال.
وعندما ترتفع تكلفة النقل، تظهر فرص في اللوجستيات.
وعندما ترتفع تكلفة استيراد مكون معين، تظهر فرصة لتصنيعه محليًا.
الاقتصاد الذكي لا ينظر إلى التحديات باعتبارها أزمات فقط.
ينظر إليها أيضًا باعتبارها إشارات إلى أين ستكون الأسواق المستقبلية.
ولهذا فإن المستثمر الذي يبحث اليوم عن فرصة لا ينبغي أن يسأل فقط: «ما المشروع المربح الآن؟»
بل يسأل:
ما المشكلة التي ستصبح أكبر خلال عشر سنوات؟
لأن الاستثمار الحقيقي طويل الأجل لا يطارد احتياجات السوق الحالية فقط.
إنه يستعد لما سيحتاجه السوق قبل أن يصل إليه.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot