الأحد، 30 أغسطس 2026

فأر يقتحم عالم الذهب.. هل عاد «القرداتي» في ثوب جديد؟

بقلم المستشار كرم ايمن سعد غفري
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان


---

قصة أغرب من الخيال.. لص صغير أمام كنوز لا يعرف قيمتها!

في البداية، لم يكن هناك ما يدعو إلى الشك.

محل مجوهرات مغلق، واجهات زجاجية تحرس عشرات القطع الذهبية، وأبواب لم تُكسر، وأقفال لم تُفتح بالقوة، ولا أثر لص محترف اقتحم المكان في منتصف الليل.

لكن مع بداية يوم جديد، بدأت المفاجأة.

قطعة ذهبية اختفت.

ثم قطعة أخرى.

ثم سلسلة.

والسؤال الذي لا يملك أحد له إجابة:

أين ذهب الذهب؟

بدأت الشكوك تدور بين البشر.

هل دخل شخص إلى المكان دون أن تلتقطه الكاميرات؟

هل هناك نسخة من المفتاح؟

هل أحد العاملين يعرف مكان المشغولات؟

هل هناك لص محترف يراقب المكان منذ فترة؟

أسئلة كثيرة، وإجابة واحدة لم تخطر على بال أحد.

حتى جاءت اللحظة التي قرر فيها أصحاب المكان العودة إلى تسجيلات كاميرات المراقبة.

جلس الجميع أمام الشاشة.

تتحرك الصورة ببطء...

المحل هادئ.

لا أحد يدخل.

لا أحد يخرج.

ثم يظهر شيء صغير يتحرك في الظلام.

يتقدم.

يتوقف.

يقترب من الذهب.

يمسك قطعة بفمه...

ويبدأ في جرها!

إنه فأر!

وهنا، للحظة، يبدو المشهد وكأنه خرج من فيلم سينمائي لا من كاميرا مراقبة.


---

الصورة التي تحوّل فيها الفأر إلى «متهم أول»

الصورة المرفقة مع المقال تقدم واحدًا من أكثر المشاهد غرابة: فأر بجوار واجهة تعرض المشغولات الذهبية، وفي المشهد الآخر يظهر فأر بالقرب من فتحة في الحائط وبجواره حُلى ذهبية.

وهنا يبدأ العقل في طرح السؤال:

هل يمكن لفأر أن يسرق الذهب؟

والأغرب:

إذا كان يسرق فعلًا.. لمن يسرقه؟ وأين يذهب به؟


---

من «القرداتي» إلى «الفأر السارق»

ربما لا يستطيع المشاهد المصري أن يرى هذا المشهد دون أن يتذكر فيلم «القرداتي»، الذي جسد فيه فاروق الفيشاوي شخصية «فتوح»، وهي شخصية مرتبطة بتدريب قرد على السرقة. الفيلم عُرض عام 1987، وتدور قصته حول شاب من عالم القرداتية يستخدم القرد في عمليات السرقة. 

لكن الفارق هذه المرة أن السينما انتهت، والكاميرا حقيقية.

لا مدرب يقف خلف الستار.

لا مخرج يعطي إشارة البدء.

ولا ممثل يؤدي الدور.

فأر صغير يتحرك وحده، والذهب أمامه، والكاميرا تسجل كل شيء.

وكأن الحياة قررت أن تعيد كتابة فكرة الفيلم، ولكن بطريقة أكثر غرابة:

القرد اختفى من المشهد.. والفأر تولى المهمة!


---

ولكن الحقيقة أغرب من الحكاية

ولأن الدقة الصحفية أهم من الإثارة، فهناك نقطة يجب توضيحها.

لم أجد في المصادر الموثوقة التي راجعتها ما يثبت وجود سلسلة من بلاغات سرقة الذهب في مناطق مصر المختلفة بواسطة فئران كما توحي الرواية المتداولة.

أما الواقعة الموثقة التي تشبه هذه القصة بصورة مذهلة، فقد وقعت في مدينة تومكورو بولاية كارناتاكا الهندية في يوليو 2026.

هناك اكتشف العاملون في محل مجوهرات اختفاء 10 خواتم ذهبية وسلسلتين، وبعد مراجعة كاميرات المراقبة ظهر فأر يحمل خاتمًا في وقت مبكر من الصباح، ثم تتبع العاملون مساره، فعثروا على المشغولات المفقودة بالقرب من جحره واستعادوها. 

وهكذا تحولت واقعة حقيقية إلى قصة تبدو وكأنها مكتوبة خصيصًا لفيلم كوميدي غامض.


---

الجريمة التي لم يكن فيها لص!

تخيل المشهد لو كان في أحد أحياء القاهرة.

صاحب محل يقف أمام الواجهة ويقول:

— «الذهب ناقص!»

الجميع ينظر إلى بعضه.

— «مين دخل؟»

— «الباب مكسور؟»

— «الكاميرات شغالة؟»

— «راجعوا التسجيلات!»

تبدأ الشاشة في عرض ساعات الليل.

لا أحد.

ثم فجأة...

فأر!

يمشي بمحاذاة الحائط.

يتوقف أمام قطعة ذهب.

يمسكها.

يسحبها.

يحاول الدخول بها إلى فتحة صغيرة.

تسقط منه.

يعود إليها.

يحملها من جديد.

ثم يختفي.

هنا ربما يقول أحدهم:

«أوقف الفيديو!»

ويقترب الجميع من الشاشة.

ثم يقول آخر:

«هو إحنا بندور على حرامي ولا بنشوف فيلم؟!»

لكن الكاميرا لا تكذب.

والفأر موجود.

والذهب موجود.

والاختفاء حدث بالفعل.


---

لكن لماذا يفعل الفأر ذلك؟

هنا تبدأ القصة الحقيقية، وتتحول من عالم الخيال إلى عالم علم الحيوان.

هل الفأر يحب الذهب؟

لا يوجد دليل علمي يثبت أن الفئران تحب الذهب تحديدًا أو تعرف قيمته المادية.

الفأر لا ينظر إلى الخاتم فيقول:

> «هذا ذهب عيار 21.. سأحتفظ به!»



هذه طريقة تفكير بشرية لا تنطبق على الحيوان.

لكن بعض القوارض معروفة بسلوك جمع الأشياء ونقلها إلى أماكن الاختباء، وهناك أنواع من القوارض تجمع أجسامًا صغيرة أو لامعة وتحتفظ بها في أعشاشها أو مخابئها. وتوجد مصادر متخصصة في سلوك القوارض تشير إلى إمكانية جمع أشياء مثل العملات والرقائق المعدنية وحتى المجوهرات لدى بعض الأنواع. 

إذن ربما لا يكون الفأر «عاشقًا للذهب».

ربما هو فقط عاشق لجمع الأشياء.

والصدفة وحدها وضعته في المكان الوحيد الذي تتحول فيه هذه العادة الصغيرة إلى قصة بملايين الجنيهات.


---

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة

إذا كان الفأر يجمع الأشياء، فلماذا أخذ الذهب؟

هل أعجبه لمعانه؟

هل جذبه حجمه؟

هل كان الخاتم سهل الحمل؟

هل كانت عليه رائحة مختلفة؟

هل جذبه شيء آخر في القطعة؟

أم أن الأمر كله مجرد مصادفة؟

لا توجد إجابة واحدة مؤكدة لكل هذه الأسئلة.

والأكثر إثارة أن الدراسات والسلوكيات المعروفة لدى بعض القوارض تجعل فكرة نقل الأشياء إلى المخبأ أكثر منطقية من فكرة أن الحيوان يفهم قيمة الذهب. وهناك أبحاث قديمة تناولت سلوك حمل الأشياء لدى الفئران، لكن ذلك لا يعني أنها «تسرق الذهب» كعادة عامة. 


---

ذهب يختفي.. وجحر يكشف السر

وهنا يمكن أن نتخيل المشهد وكأنه فصل من رواية.

تخيل فأرًا صغيرًا يعيش خلف جدار المحل.

بالنسبة إليه، المكان ليس متجرًا للمجوهرات.

إنه عالم ضخم مليء بالأصوات والروائح والفتحات والمخابئ.

كل ليلة يخرج.

يمشي بحذر.

يتحرك بين الأرفف.

ثم تقع عيناه ــ إن صح التعبير ــ على شيء يمكنه حمله.

يقترب.

يعض طرفه.

يسحبه.

يجره عبر الأرض.

ثم يدخل به إلى الممر الضيق.

قطعة وراء قطعة.

وفي مكان لا يعرفه البشر، يبدأ «كنزه» الغريب في التكوّن.

لكن الكنز بالنسبة للفأر ليس ذهبًا.

إنه مجرد أشياء جمعها ونقلها إلى مكان يراه آمنًا.

وفي الخارج، يقف البشر أمام الواجهة ويحسبون قيمة ما اختفى بالملايين.

أما صاحب الجحر فلا يعرف شيئًا عن سعر الذهب.


---

وماذا عن «لعنة الفراعنة»؟

هنا يأخذ الخيال القصة إلى طريق آخر.

هناك روايات وحكايات شعبية تتحدث عن مصر القديمة، وعن تدريب بعض الحيوانات على أعمال مختلفة، ثم تذهب بعض القصص أبعد من ذلك فتربط الفئران بما يسمى «لعنة الفراعنة»، وكأن لعنة قديمة انتقلت عبر آلاف السنين حتى وصلت إلى فئران العصر الحديث، فتحولت السرقة إلى عادة موروثة.

لكن هذه الرواية لا يمكن تقديمها كحقيقة تاريخية أو علمية.

لا يوجد دليل موثوق يثبت أن الفئران ورثت «لعنة السرقة» من مصر القديمة، ولا أن هناك جينًا فرعونيًا يجعلها تبحث عن الذهب.

إنها فكرة تصلح جدًا للرواية والفيلم والخيال الصحفي...

لكنها ليست حقيقة مثبتة.

وهنا يجب أن نفرق بين متعة الحكاية ودقة المعلومة.


---

هل يمكن أن يتكرر المشهد؟

نعم، من حيث المبدأ، يمكن للقوارض أن تدخل أماكن تخزين أو متاجر وتجر أشياء صغيرة، ولذلك فإن وجودها داخل محلات المجوهرات ليس أمرًا ينبغي الاستهانة به.

لكن تحويل ذلك إلى اعتقاد بأن:

«كل فأر يرى الذهب فيسرقه»

أمر غير صحيح.

فالواقعة الهندية نفسها كانت حالة استثنائية لافتة، وليست دليلًا على أن جميع الفئران لصوص مجوهرات.


---

المفارقة التي تجعل القصة تخطف العقل

أغرب ما في الحكاية ليس أن فأرًا حمل الذهب.

الأغرب هو أن الإنسان احتاج إلى كاميرا مراقبة حتى يكتشف أن المتهم الذي كان يبحث عنه طوال الوقت...

كان يعيش تحت قدميه!

الجميع كان يبحث عن إنسان.

لكن الحقيقة كانت مختبئة داخل جحر.

الجميع كان يتخيل لصًا محترفًا.

لكن «المتهم» لا يعرف حتى معنى كلمة لص.

الجميع كان يفكر في الذهب باعتباره ثروة.

أما الفأر فربما كان يفكر في شيء واحد فقط:

«هذا الشيء يمكنني حمله إلى مخبئي.»

وهنا تصبح القصة بالفعل أغرب من الخيال.


---

فأر صغير.. وحكاية كبيرة

ربما بعد سنوات، لن يتذكر الناس تفاصيل الواقعة.

لكنهم سيتذكرون الصورة.

فأر صغير يقف بجوار الذهب.

سلسلة تخرج من جحر.

كاميرا تكشف المستور.

وبشر مذهولون يسألون:

كيف فعلها؟

وقد يضحك البعض قائلًا:

«القرداتي رجع... لكن البطل فأر!»

بينما سيبحث آخرون عن تفسير علمي.

أما الحقيقة الأقرب للعلم، فهي أن الفأر لا يحتاج إلى أن يعرف قيمة الذهب حتى يحمله؛ يكفي أن تكون لديه القدرة على تحريك شيء صغير ونقله إلى مكان يختبئ فيه.

وهكذا، في لحظة واحدة، تحول سلوك حيواني بسيط إلى أغرب حكاية ذهب يمكن أن تصنعها كاميرا مراقبة.


---

تنبيه للقارئ

القصة مستوحاة من واقعة موثقة في تومكورو بولاية كارناتاكا الهندية، حيث رصدت كاميرات المراقبة فأرًا يحمل مجوهرات، ثم عُثر على المشغولات المفقودة قرب جحره. أما الحديث عن وجود «لعنة فرعونية» موروثة لدى الفئران، أو أن الفئران تعرف قيمة الذهب وتسرقه عمدًا، فلا توجد أدلة علمية أو تاريخية موثوقة تثبته. 

والآن نترك السؤال لك عزيزي القارئ...

لو اختفى الذهب من منزلك أو محلك دون كسر أو اقتحام، ثم كشفت الكاميرا أن فأرًا هو الذي حمله إلى جحره... هل ستصدق أن الأمر مجرد سلوك طبيعي؟ أم ستظل تشك أن وراء هذا المشهد سرًا أكبر لم نكتشفه بعد؟

وهل ترى أن تشبيه الواقعة بفيلم «القرداتي» مجرد صدفة طريفة، أم أن الواقع أحيانًا يكتب قصصًا أغرب مما تكتبه السينما؟

اكتب رأيك في التعليقات... فأنت الآن أمام لغز صغير الحجم، لكنه كبير بما يكفي ليأخذ العقل!

*ويمكن في الخطوة التالية ، مع تحويل هذا النص إلى نسخة صحفية نهائية جاهزة للنشر وعنوان رئيسي أقوى.*«تمهيد ناري» مناسب للصورة المرفقة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot