الجمعة، 21 أغسطس 2026

هناك ملف مختلف تمامًا بدأ يفرض نفسه على الاقتصاد المصري: ماذا نفعل بالمصانع المتعثرة؟

هناك ملف مختلف تمامًا بدأ يفرض نفسه على الاقتصاد المصري: ماذا نفعل بالمصانع المتعثرة؟
في الوقت الذي تنفق فيه الدولة جهدًا كبيرًا لجذب مستثمرين جدد وإنشاء مصانع جديدة، ظهرت خطوة تستحق الاهتمام تتمثل في إنشاء صندوق استثمار يستهدف المصانع المتعثرة، في محاولة لإعادة هذه الأصول إلى العمل بدلًا من تركها خارج الدورة الإنتاجية. وتأتي الخطوة في وقت ارتفعت فيه الصادرات المصرية غير البترولية إلى نحو 48.6 مليار دولار خلال العام الماضي. 
الفكرة في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل سؤالًا اقتصاديًا مهمًا: هل الأفضل دائمًا أن نبني مصنعًا جديدًا، أم أن إنقاذ مصنع قائم قد يكون أحيانًا أسرع وأقل تكلفة؟
هناك مصانع تمتلك مباني ومعدات وعمالة وخبرة وسوقًا، لكنها توقفت بسبب مشكلة تمويل، أو تراكم ديون، أو سوء إدارة، أو نقص في رأس المال العامل، أو تغير ظروف السوق.
ترك هذه المصانع مغلقة يعني أن الاقتصاد يخسر أكثر من قيمة المصنع نفسه. هناك آلات متوقفة، وعمالة خارج الإنتاج، وسلاسل توريد فقدت أحد عملائها، وأصول لا تحقق عائدًا، وربما ديون تتراكم مع الوقت.
لكن إنقاذ المصانع المتعثرة لا يعني ضخ أموال حكومية بلا حساب.
وهنا تكمن صعوبة الفكرة.
ليس كل مصنع متعثر قابلًا للإنقاذ. هناك مصنع يعاني أزمة سيولة مؤقتة، وهذا يمكن إصلاحه بالتمويل وإعادة الهيكلة. وهناك مصنع لديه منتج جيد لكن إدارته ضعيفة، وقد يحتاج إلى مستثمر أو إدارة جديدة. وهناك مصنع يعمل في سوق انتهى الطلب عليه، أو يمتلك تكنولوجيا تجاوزها الزمن، أو تكاليف إنتاج تجعله غير قادر على المنافسة.
الخلط بين هذه الحالات قد يؤدي إلى إهدار الأموال بدلًا من إنقاذ الصناعة.
لذلك يجب أن يكون الصندوق مستثمرًا وليس جهة إنقاذ.
أي أن يدرس كل مصنع باعتباره مشروعًا اقتصاديًا: قيمة الأصول، وحجم الديون، وقدرة السوق، وتكلفة إعادة التشغيل، والاحتياجات الرأسمالية، والقدرة على تحقيق أرباح بعد إعادة الهيكلة.
والأهم أن تكون هناك شفافية في اختيار المصانع.
إذا كان المصنع قابلًا للحياة اقتصاديًا، فإن إعادة تشغيله قد تكون أسرع طريق لزيادة الإنتاج والتوظيف والصادرات مقارنة بإنشاء مصنع من الصفر.
أما إذا كان المشروع غير قابل للحياة، فإن ضخ أموال جديدة فيه لن يحل المشكلة، وإنما سيؤجلها.
وهنا يمكن أن يتحول ملف المصانع المتعثرة من عبء قديم إلى فرصة استثمارية جديدة.
فبدلًا من النظر إلى المصنع المتوقف باعتباره مشروعًا فاشلًا، يمكن النظر إليه باعتباره أصلًا يحتاج إلى مستثمر مناسب، وإدارة أفضل، وتمويل ذكي، وربما تغيير في المنتج أو السوق.
وقد تكون هذه إحدى أسرع طرق زيادة الطاقة الإنتاجية في مصر: إعادة تشغيل ما هو موجود قبل بناء كل شيء من جديد.
فالاقتصاد لا ينمو فقط عندما نضيف مصانع جديدة إلى الخريطة.
أحيانًا يبدأ النمو الحقيقي عندما نعيد تشغيل المصانع التي توقفت، ونحوّل الأصول المعطلة إلى إنتاج، والعمالة العاطلة إلى وظائف، والخسائر المتراكمة إلى قيمة اقتصادية.
*ليس كل مصنع متعثر مشروعًا فاشلًا… بعض المصانع المتعثرة مشروعات ناجحة لم تحصل على الفرصة المناسبة.*
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot