هناك خبر اقتصادي حديث يستحق التوقف أمامه، ليس بسبب حجم الرقم فقط، وإنما بسبب نوعية الصناعة التي قد تنشأ حوله. فمصر تبحث حاليًا مع مجموعة صينية إقامة مجمع صناعي متكامل في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات قد تصل إلى 2 مليار دولار، مع استهداف أكثر من 3 آلاف فرصة عمل، وربط المشروع بصناعات من بينها السيارات والإنتاج والتصدير.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: هل 2 مليار دولار رقم كبير؟
بالتأكيد هو رقم كبير، لكن قيمة الاستثمار الحقيقية لا تُقاس بحجمه عند التوقيع، وإنما بما يتركه وراءه بعد بدء التشغيل.
إذا جاء مصنع أجنبي إلى مصر واستورد معظم مكوناته، ثم قام بالتجميع وبيع المنتج محليًا، فالأثر الاقتصادي سيكون محدودًا نسبيًا. أما إذا جاء المصنع ومعه تكنولوجيا، ومهارات جديدة، وموردون محليون، وخطة لزيادة المكون المصري، ثم استخدم مصر قاعدة للتصدير، فهنا يصبح الاستثمار أكثر أهمية بكثير.
وهذه تحديدًا هي المعركة التي يجب أن تخوضها مصر في المرحلة المقبلة.
فالمنافسة العالمية لم تعد على جذب المصنع فقط، وإنما على جذب سلسلة القيمة بالكامل.
خذ صناعة السيارات مثالًا. المصنع النهائي يمكن أن يكون مجرد قمة جبل الجليد، بينما توجد تحته عشرات الصناعات: أجزاء المحركات، الضفائر الكهربائية، الزجاج، البلاستيك، الإطارات، البطاريات، الإلكترونيات، أنظمة التحكم، المقاعد، مكونات الهيكل وغيرها.
كلما زادت قدرة المصانع المصرية على الدخول في هذه السلسلة، تضاعف الأثر الاقتصادي للاستثمار الأجنبي.
والأمر نفسه ينطبق على الصناعات الأخرى.
ولهذا فإن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أمام فرصة مختلفة. موقعها لا يمنحها فقط ميزة لوجستية، وإنما يمكن أن يجعلها منصة إنتاج موجهة للتصدير، خصوصًا إذا ارتبطت بالموانئ والأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
لكن هناك شرطًا أساسيًا: ألا تتحول المناطق الصناعية إلى مجرد تجمع لمصانع منفصلة.
الأفضل أن تُبنى حول كل صناعة منظومة متكاملة من الموردين والخدمات ومراكز التدريب والبحث والتطوير.
فإذا أقيم مصنع كبير، ثم ظهرت حوله عشرات الشركات المصرية التي تنتج مكوناته، فإن قيمة المشروع تصبح أكبر بكثير من قيمة الاستثمار المعلن.
وهنا أيضًا يجب ألا يكون نجاح الدولة في جذب الاستثمار هو نهاية القصة.
يجب أن نبدأ بعد توقيع العقد في طرح أسئلة أكثر صعوبة:
كم نسبة المكون المحلي؟
كم قيمة الصادرات المتوقعة؟
كم شركة مصرية ستدخل سلسلة التوريد؟
ما حجم التكنولوجيا التي ستنتقل إلى السوق؟
كم من الوظائف ستكون وظائف فنية وهندسية عالية القيمة؟
وهل يستطيع المشروع بعد سنوات أن ينافس عالميًا من مصر؟
هذه المؤشرات هي التي تحدد إن كان الاستثمار قد أضاف رأس مال فقط أم أضاف قدرة إنتاجية جديدة للاقتصاد.
والأهم أن الفرصة لا تتعلق بالمستثمر الصيني وحده.
إذا نجحت مصر في بناء نموذج صناعي قادر على جذب الشركات العالمية وربطها بالموردين المحليين والأسواق الخارجية، يمكن تكرار النموذج في السيارات والإلكترونيات والطاقة والأدوية والغذاء والمنسوجات والصناعات الهندسية.
عندها لن يكون الهدف أن نقول: «دخلت مصر استثمارات بمليارات الدولارات».
بل سنستطيع أن نقول شيئًا أهم:
هذه المليارات صنعت صناعات جديدة، وخلقت موردين مصريين، وزادت الصادرات، ونقلت التكنولوجيا، وقللت الاعتماد على الواردات.
وهنا فقط يتحول الاستثمار الأجنبي من رقم في الأخبار إلى قوة حقيقية تغيّر شكل الاقتصاد.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق