من أكثر الأخبار التي تستحق التوقف عندها حاليًا توقيع عقود تصدير مصرية إلى الصين بقيمة نحو 168 مليون دولار خلال فعالية «التصدير إلى الصين». الرقم مهم، لكن الأهم منه هو السؤال: هل تستطيع مصر أن تحول التصدير إلى الصين من فرص متفرقة إلى علاقة تجارية مستدامة؟
الصين واحدة من أكبر الأسواق في العالم، وفي الوقت نفسه من أكثر الأسواق تنافسية. ولذلك فإن دخول المنتج المصري إليها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد صفقة تصديرية، وإنما اختبار لقدرة الصناعة المصرية على المنافسة في سوق شديد الصعوبة.
والميزة الحقيقية هنا أن التصدير إلى الصين يمكن أن يفتح الباب أمام مفهوم مختلف للتجارة المصرية. فنحن لا نريد فقط تصدير شحنة أو محصول أو منتج معين، وإنما نريد أن تصبح هناك شركات مصرية لديها وجود مستمر في السوق الصينية، وتفهم احتياجات المستهلك هناك، وتستطيع تطوير منتجاتها وفقًا للمواصفات والأسعار المطلوبة.
وهذا يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير.
فالصادرات لا تبدأ من الميناء، وإنما تبدأ من المصنع.
إذا كان المنتج المصري غير قادر على المنافسة من حيث الجودة أو السعر أو انتظام التوريد، فلن تنقذه الاتفاقيات التجارية وحدها. أما إذا امتلك المصنع منتجًا جيدًا، وطاقة إنتاجية مستقرة، وشهادة جودة مناسبة، وقدرة على التسليم في المواعيد، فإن فتح الأسواق يصبح فرصة حقيقية.
والأهم أن التصدير لا يجب أن يظل حكرًا على الشركات الكبرى.
فوجود آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة القادرة على تصدير مئات الآلاف أو ملايين الدولارات لكل منها قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل من اعتماد الصادرات على عدد محدود من الشركات. وقد أعلنت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية بالفعل أن توسيع قاعدة المصدرين يمثل هدفًا أساسيًا، بعدما أشارت إلى استحواذ نحو 50 شركة على 45% من صادرات مصر.
وهنا يمكن أن تتحول المحافظات نفسها إلى مراكز تصدير.
الغذاء من محافظة، والمنسوجات من أخرى، والمنتجات الهندسية من ثالثة، والأثاث من رابعة، والمنتجات الزراعية المصنعة من خامسة.
بدلًا من أن تكون الصناعة موزعة بلا هدف، يمكن بناء تجمعات إنتاجية متخصصة، لكل منها أسواقها الخارجية وشبكة مورديها وخدماتها اللوجستية.
والتحدي الحقيقي ليس أن نبيع للصين مرة.
التحدي أن يصبح المنتج المصري جزءًا من سلسلة التوريد الصينية بصورة مستمرة.
فإذا نجحنا في ذلك مع الصين، يمكن تكرار التجربة مع الهند والبرازيل وأفريقيا وأسواق أخرى.
عندها لن يكون التصدير مجرد وسيلة للحصول على الدولار.
سيصبح وسيلة لإجبار الصناعة المصرية على التطور، ورفع الجودة، وزيادة الإنتاجية، وتطوير التكنولوجيا.
وهذا هو المعنى الأعمق للتصدير:
أن تدخل الأسواق العالمية ليس فقط لتبيع لها، وإنما لتصبح أكثر قدرة على المنافسة بسببها.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق