بقلم الأستاذة المستشارة رغده رجب عبدالعال أبو الحسن
مستشارة باللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان، ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة حديثة لتسهيل الحياة، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من تفاصيلها اليومية، حتى بات الهاتف المحمول والحاسوب ومنصات التواصل الاجتماعي حاضرًا في كل بيت تقريبًا، يرافق الإنسان منذ استيقاظه وحتى لحظات نومه.
ولا يمكن إنكار أن التكنولوجيا قدمت للأسرة المصرية الكثير من الفوائد؛ فقد قربت المسافات، وسهّلت التواصل، وأتاحت الوصول السريع إلى المعلومات والتعليم والعمل والخدمات، وفتحت أمام الأبناء أبوابًا واسعة للمعرفة والإبداع.
لكن الوجه الآخر لهذه الثورة التكنولوجية أصبح أكثر وضوحًا داخل الأسرة المصرية، بعدما تحولت بعض الوسائل التكنولوجية من أدوات في أيدي أفراد الأسرة إلى عالم بديل يعيش بداخله كل فرد بمعزل عن الآخرين.
ففي كثير من البيوت، أصبح أفراد الأسرة يجلسون في غرفة واحدة، لكن كل فرد يعيش في عالم مختلف، يحمل هاتفه، ويتابع شاشته، ويتواصل مع أشخاص قد يكونون على بُعد آلاف الكيلومترات، بينما لا يتبادل كلمة واحدة مع الشخص الجالس إلى جواره.
وهنا يطرح الواقع سؤالًا مهمًا:
هل أصبحت التكنولوجيا وسيلة للتواصل بين أفراد الأسرة، أم تحولت إلى أحد أسباب العزلة والتفكك الأسري؟
التكنولوجيا بين الإيجابيات والسلبيات
التكنولوجيا في حد ذاتها ليست عدوًا للأسرة، وإنما المشكلة تكمن في طريقة استخدامها، وفي حجم المساحة التي احتلتها في حياة الإنسان.
فمن إيجابيات التكنولوجيا أنها ساعدت الأب والأم على متابعة أبنائهم تعليميًا، والوصول إلى مصادر المعرفة، والتواصل مع الأقارب والأصدقاء، خاصة في ظل ظروف العمل أو السفر أو البعد الجغرافي.
كما أصبح بإمكان الأبناء تعلم مهارات جديدة، والاطلاع على الثقافات المختلفة، والاستفادة من البرامج التعليمية والمنصات الرقمية، وفتح آفاق جديدة أمام مستقبلهم.
لكن الاستخدام المفرط وغير المنضبط للتكنولوجيا أدى في المقابل إلى نتائج خطيرة، أبرزها ضعف الحوار داخل المنزل، وقلة الوقت الذي تقضيه الأسرة معًا، وزيادة العزلة، والتعلق المرضي بالهواتف والألعاب ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأصبحت بعض الأسر تعاني ما يمكن وصفه بـ "التواجد الجسدي والغياب النفسي"؛ فالجميع موجودون في المكان نفسه، لكن لا أحد حاضر فعليًا مع الآخر.
الأب.. حاضر بجسده وغائب بانشغاله
تغيرت صورة الأب داخل الأسرة تحت تأثير التكنولوجيا.
فالأب الذي كان يمثل في الماضي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لأبنائه، أصبح في بعض الحالات منشغلًا بهاتفه، أو بعمله الإلكتروني، أو بمتابعة مواقع التواصل، أو بالمكالمات والرسائل، حتى أثناء وجوده مع أسرته.
وقد يجلس الأب مع أبنائه ساعات طويلة دون أن يعرف ماذا حدث في يومهم، وما المشكلات التي تواجههم، وما الذي يشغل تفكيرهم.
وهذا الغياب لا يعني بالضرورة أن الأب لا يحب أبناءه، وإنما يعني أن التكنولوجيا أصبحت أحيانًا تسرق منه أهم شيء يحتاجه الأبناء: الاهتمام الحقيقي والحوار المباشر.
فالطفل لا يحتاج فقط إلى الطعام والملبس والتعليم، بل يحتاج إلى أب يسمعه، ويتحدث معه، ويشاركه اهتماماته، ويشعره بأنه مهم في حياته.
الأم.. بين مسؤوليات البيت وضغوط العالم الرقمي
الأم أيضًا أصبحت أمام تحديات جديدة.
فقد أصبحت التكنولوجيا تساعدها في إدارة الكثير من تفاصيل حياتها، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى مصدر استنزاف للوقت والانتباه.
فقد تقضي الأم ساعات طويلة في متابعة منصات التواصل الاجتماعي، أو مشاهدة المحتوى، أو الدخول في نقاشات إلكترونية، بينما يقل الوقت المخصص للحوار مع أبنائها.
وفي بعض الحالات، قد تلجأ الأم إلى الهاتف أو الأجهزة الإلكترونية لإشغال الطفل حتى تتمكن من إنجاز أعمالها، وهو أمر قد يبدو حلًا سريعًا ومريحًا، لكنه إذا تحول إلى أسلوب دائم قد يجعل الجهاز الإلكتروني هو المربي الحقيقي للطفل بدلًا من الأسرة.
ومن هنا تبدأ المشكلة.
الأبناء.. جيل يعيش عالمين
أما الأبناء فهم الفئة الأكثر تأثرًا بالثورة التكنولوجية.
فالطفل والمراهق اليوم لا يتعاملان مع التكنولوجيا كأداة فقط، وإنما أصبحت جزءًا من شخصيتهما وطريقة تفكيرهما وتكوين علاقاتهما.
أصبح بعض الأبناء يشعرون بأن عالم الإنترنت أكثر جذبًا من المنزل، وأن أصدقاء العالم الافتراضي أقرب إليهم من أفراد أسرتهم.
وقد يصنع الابن لنفسه شخصية افتراضية مختلفة عن شخصيته الواقعية، ويبدأ في مقارنة حياته بما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي، فيشعر أحيانًا بالنقص أو عدم الرضا عن حياته أو أسرته.
والأخطر أن الطفل قد يتعلم من الإنترنت سلوكيات وأفكارًا ومفاهيم دون وجود رقابة أو توجيه أسري كافٍ.
وهنا تتحول التكنولوجيا من وسيلة للتعلم إلى مصدر للتأثير على شخصية الطفل وسلوكه وعلاقته بأسرته ومجتمعه.
عندما يصبح الهاتف أهم من الإنسان
من أكثر المشاهد انتشارًا في حياتنا اليومية أن يجلس أفراد الأسرة حول مائدة الطعام، وكل شخص منهم يحمل هاتفه.
لم تعد المائدة مكانًا للحوار، بل أصبحت في بعض البيوت مجرد مكان يجتمع فيه الأشخاص بأجسادهم، بينما عقولهم واهتماماتهم في أماكن أخرى.
وفي المناسبات العائلية، قد يجلس الأقارب معًا، لكن كل فرد منشغل بتصوير اللحظة ونشرها، بدلًا من أن يعيش اللحظة نفسها.
حتى الزيارات العائلية التي كانت فرصة للتقارب أصبحت في بعض الأحيان مناسبة لتصفح الهاتف.
وهكذا أصبحت التكنولوجيا التي كان من المفترض أن تقرب الإنسان من الآخرين، سببًا في ابتعاده عمن يعيشون معه تحت سقف واحد.
الأسرة المصرية.. من الحوار إلى الصمت
الأسرة المصرية عُرفت تاريخيًا بالترابط، وبالجلوس معًا، وبالتواصل بين الآباء والأبناء، وبوجود شبكة واسعة من العلاقات الأسرية والاجتماعية.
لكن التكنولوجيا ساهمت، مع عوامل اجتماعية واقتصادية أخرى، في تغيير شكل هذه العلاقات.
لم يعد الحوار الأسري يأخذ المساحة نفسها التي كان يأخذها من قبل، وأصبح كل فرد يحمل هاتفًا يحتوي على عالم كامل من الأخبار والمعلومات والأصدقاء والمحتوى.
وبمرور الوقت، قد يصبح هذا العالم الافتراضي أكثر أهمية من الواقع.
وهنا تظهر الخطورة الحقيقية.
فالتفكك الأسري لا يبدأ دائمًا بمشكلة كبيرة، وإنما قد يبدأ بتفاصيل صغيرة ومتكررة:
أب لا يتحدث مع أبنائه، وأم منشغلة بهاتفها، وطفل يقضي ساعات أمام الشاشة، ومراهق يفضل أصدقاء الإنترنت، وأسرة تجلس معًا دون أن يتحدث أفرادها مع بعضهم.
ومع تراكم هذه التفاصيل، تضعف العلاقة، ويقل الحوار، وتزداد المسافات النفسية بين أفراد الأسرة.
التكنولوجيا غيرت أيضًا علاقتنا بالآخرين
لم يتوقف تأثير التكنولوجيا عند حدود الأسرة، بل امتد إلى علاقة أفرادها بالمجتمع.
أصبح الإنسان قادرًا على تكوين عشرات أو مئات العلاقات الافتراضية، لكنه في المقابل قد يجد صعوبة في بناء علاقة إنسانية حقيقية مع جاره أو قريبه أو زميله.
كما أصبح الحكم على الآخرين في كثير من الأحيان يتم من خلال الصور والمنشورات والمظاهر الرقمية، وليس من خلال المعرفة الحقيقية بالشخص.
وأصبح البعض يعيش تحت ضغط دائم للحفاظ على صورة معينة أمام الآخرين، حتى لو كانت هذه الصورة لا تعكس واقعه الحقيقي.
وهكذا صنعت التكنولوجيا مجتمعًا رقميًا موازيًا، له قواعده ومفاهيمه وعلاقاته، وأصبح بعض الأشخاص يعيشون داخله أكثر مما يعيشون في الواقع.
العالم الافتراضي.. واقع بديل
المشكلة ليست في وجود عالم افتراضي، وإنما في أن يتحول العالم الافتراضي إلى بديل كامل عن الواقع.
فالإنسان عندما يبدأ في قضاء معظم وقته أمام الشاشة، ويجد اهتمامه وراحته وتقديره لذاته داخل العالم الرقمي، قد يبدأ تدريجيًا في الانسحاب من الحياة الواقعية.
وقد يصبح الهاتف بالنسبة إليه مصدرًا للمتعة والهروب من المشكلات بدلًا من مواجهتها.
وهنا يجب أن نتوقف أمام قضية مهمة:
لا ينبغي أن نسمح للتكنولوجيا بأن تصنع لنا حياة افتراضية على حساب حياتنا الحقيقية.
فلا قيمة لآلاف المتابعين إذا كان الإنسان عاجزًا عن الحديث مع أسرته.
ولا قيمة لمئات الأصدقاء على مواقع التواصل إذا كان الإنسان يشعر بالوحدة داخل منزله.
ولا قيمة لكل وسائل الاتصال الحديثة إذا فقد الإنسان القدرة على التواصل الحقيقي مع من يحب.
الحل ليس في محاربة التكنولوجيا
الحل ليس في منع التكنولوجيا أو العودة إلى الماضي، فهذا أمر غير واقعي.
المطلوب هو أن نتعلم كيف نستخدم التكنولوجيا دون أن تسمح لها بالسيطرة على حياتنا.
يجب أن تعود الأسرة إلى الحوار.
يجب تخصيص أوقات يومية تخلو من الهواتف والأجهزة.
يجب أن تكون هناك جلسات أسرية حقيقية يتحدث فيها الأب والأم مع الأبناء.
ويجب على الآباء أن يكونوا قدوة لأبنائهم؛ فلا يمكن أن نطلب من الطفل أن يترك هاتفه بينما الأب والأم لا يرفعان أعينهما عن شاشاتهما.
كما يجب تعليم الأبناء كيفية الاستخدام الآمن والمسؤول للإنترنت، وعدم تركهم وحدهم أمام عالم رقمي مفتوح بلا توجيه أو رقابة أسرية واعية.
التكنولوجيا وسيلة.. وليست حياة
في النهاية، التكنولوجيا ليست عدوًا للإنسان، وإنما طريقة استخدامنا لها هي التي تحدد نتائجها.
فهي قادرة على أن تجمع الأسرة إذا استخدمت للتواصل والتعلم والمشاركة، وقادرة أيضًا على أن تفرقها إذا تحولت إلى وسيلة للعزلة والهروب من الواقع.
إن الأسرة المصرية تحتاج اليوم إلى أن تستعيد مكانة الحوار والاهتمام والوجود الحقيقي.
فالأسرة ليست مجرد أشخاص يعيشون في منزل واحد، وإنما هي مشاعر واحتواء وحوار وأمان وانتماء.
وإذا أصبح كل فرد يعيش في عالم خاص به، خلف شاشة صغيرة، فإن البيت قد يظل قائمًا، لكن الأسرة نفسها قد تبدأ في الغياب.
لذلك علينا أن نتذكر دائمًا:
التكنولوجيا يجب أن تكون في أيدينا، لا أن نكون نحن في أيديها.
فمهما تطورت وسائل الاتصال، لن تستطيع أي شاشة أن تمنح الطفل حضن أمه، أو تعوضه عن كلمة من أبيه، أو تمنح الأسرة دفء الجلسة الحقيقية.
إنقاذ الأسرة من العزلة الرقمية لا يعني إغلاق أبواب التكنولوجيا، بل يعني أن نفتح من جديد أبواب الحوار والرحمة والاهتمام داخل البيت المصري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق