د.سوهير الطويل استشاري نفسي واسري وتربوي
هناك فرقٌ عميق بين أن تحب إنسانًا، وبين أن تكون بينك وبينه مودة ورحمة.
الحب في ذاته شعور بشري؛ قد ينشأ فجأة، وقد يشتد حتى يستولي على القلب، وقد يكون في موضعه أو يتجاوزه.
ولعل القرآن الكريم يصور لنا هذا المعنى بوضوح في قصة امرأة العزيز:
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾
فالحب هنا لم يكن دليلًا على صحة العلاقة، ولا على مشروعية الطريق، وإنما كان انفعالًا استولى على القلب حتى بلغ شغافه.
وهنا تكمن إحدى أعقد الحقائق:
ليس كل حبٍ صالحًا، وليس كل ما نشعر به يصلح أن يكون أساسًا لعلاقة.
قد يحب الإنسان ما لا يحل له، وقد يتعلق بما يؤذيه، وقد يقوده الحب إلى تجاوز حدوده.
لذلك لم يجعل القرآن الحب وحده هو أساس العلاقة الزوجية.
حين تحدث سبحانه وتعالى عن الرجل والمرأة في الزواج، لم يقل: "وجعل بينكم حبًا"، وإنما قال:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
وهنا ينتقل المعنى من انفعال القلب إلى مسؤولية العِشرة.
الحب قد يكون شعورًا…
أما المودة فهي حبٌّ له أثر.
والرحمة ليست مجرد رقة في القلب، وإنما أن ترى ضعف من معك فلا تستغلّه، وأن تعرف عيوبه فلا تفضحه، وأن تختلف معه فلا تهينه، وأن تملك القدرة على إيذائه فلا تفعل.
والأجمل من ذلك أن الله سبحانه وتعالى نسب المودة والرحمة إليه:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
إنها ليست مجرد مشاعر يصنعها الإنسان وحده، وإنما نعمة يهبها الله للعلاقة التي قامت على السكن والعهد.
ولذلك جاء الزواج في القرآن مقرونًا بالميثاق الغليظ:
﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
فالعلاقة الزوجية ليست مجرد رجل أحب امرأة، وامرأة أحبت رجلًا.
إنها عقد، وميثاق، وسكن، وأمانة.
ولهذا قد ينقص الحب، وقد تتغير المشاعر، وقد تمر العلاقة بمراحل من الفتور…
لكن المودة والرحمة هما ما يجعلان الإنسان يقول:
هذا الذي بيني وبينه عهد… فلا أظلمه.
ومن هنا نفهم لماذا تكون الخيانة موجعة إلى هذا الحد.
لأن الخيانة ليست فقط خيانةً لمشاعر الحب…
إنها كسرٌ للميثاق، وهدمٌ للأمان، واعتداءٌ على المودة والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين.
والرحمة هنا لا تعني أن نقبل الخيانة أو نظلم أنفسنا باسم التسامح.
فالرحمة لا تعني إلغاء الحدود، كما أن حفظ العهد لا يعني قبول الأذى بلا نهاية.
لكنها تعني أن الإنسان، حتى وهو يختلف، لا يتحول إلى جلاد.
أن تبقى إنسانًا حين يغضب.
وأن تحفظ كرامة من كان يومًا سكنًا لك.
الحب قد يجمع قلبين…
لكن المودة والرحمة هما اللتان تصنعان بيتًا.
الحب قد يبدأ العلاقة…
أما المودة فتسقيها، والرحمة تحميها، والميثاق يحرسها.
ولهذا ربما كان السؤال الأهم في العلاقات ليس:
"هل ما زلت تحبني؟"
وإنما:
"هل ما زالت بيننا مودة ورحمة؟ وهل ما زلت تحفظ العهد الذي جمعنا؟"
لأن الحب، مهما كان عظيمًا، يظل شعورًا…
أما المودة والرحمة، فهما أخلاق العِشرة، ومسؤولية الميثاق، وأثر نعمة الرحمن بين زوجين.
فعلآ والله صدقتي يا دكتورة سهير فى كل كلمة سلمت يداك يا فندم وخالص تحياتي وتقديري واحترامي لشخصكم الكريم يا فندم
ردحذف