الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

قد يبدو للوهلة الأولى أن الذكاء الاصطناعي صناعة تعتمد على البرمجيات والخوارزميات

قد يبدو للوهلة الأولى أن الذكاء الاصطناعي صناعة تعتمد على البرمجيات والخوارزميات، لكن العالم بدأ يكتشف أن وراء كل نموذج ذكي بنية تحتية ضخمة تحتاج إلى الكهرباء، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصالات، والتبريد، والاستثمارات الرأسمالية.

وهنا تظهر واحدة من أهم التحولات الاقتصادية في السنوات المقبلة: الكهرباء أصبحت جزءًا من اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

فكلما توسعت الشركات في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، زاد الطلب على الطاقة بصورة كبيرة. وهذا يخلق سوقًا جديدة للاستثمار في محطات الكهرباء، والطاقة المتجددة، وأنظمة التخزين، وشبكات النقل، ومراكز البيانات نفسها.

والأمر لا يتعلق بالشركات التكنولوجية فقط. فالدولة التي تريد أن تصبح مركزًا إقليميًا للذكاء الاصطناعي تحتاج إلى أكثر من الإنترنت السريع؛ تحتاج إلى كهرباء مستقرة، ومساحات مناسبة لمراكز البيانات، وربط دولي قوي، وأمن سيبراني، وتشريعات واضحة للبيانات، وكفاءات بشرية تستطيع تشغيل هذه المنظومة.

وهنا توجد فرصة مهمة لمصر. فالموقع الجغرافي، وشبكات الاتصالات، والربط الدولي، والسوق الكبيرة، والكوادر البشرية، يمكن أن تجعل مصر مرشحة لاستضافة جزء من البنية التحتية الرقمية التي تحتاج إليها المنطقة. لكن المنافسة لن تكون سهلة، لأن المستثمر في مراكز البيانات يبحث قبل كل شيء عن استقرار الطاقة وتكلفتها واستمراريتها.

وهذا يعني أن الاستثمار في الطاقة لم يعد منفصلًا عن الاستثمار في التكنولوجيا. وقد يصبح لدينا خلال السنوات المقبلة نوع جديد من المستثمرين لا يسأل فقط عن سعر الأرض أو الحوافز الضريبية، وإنما يسأل: كم ميجاوات أستطيع الحصول عليها؟ وما مدى استقرار الشبكة؟ وما تكلفة التبريد؟ وهل أستطيع التوسع؟

ومن هنا، فإن التحول الرقمي قد يفتح بابًا جديدًا أمام الصناعة المصرية نفسها. فبدلًا من النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعًا منفصلًا، يمكن استخدامه لرفع كفاءة المصانع، وتقليل الفاقد، والتنبؤ بالأعطال، وتحسين استهلاك الطاقة، وإدارة سلاسل الإمداد.

المنافسة المقبلة إذن لن تكون فقط بين الدول التي تمتلك أكبر عدد من شركات التكنولوجيا، وإنما بين الدول القادرة على بناء منظومة متكاملة تجمع الطاقة والبيانات والاتصالات والذكاء الاصطناعي والصناعة.

وقد يكون هذا أحد أهم التحولات الاقتصادية التي يجب الاستعداد لها من الآن؛ لأن من يمتلك البنية التحتية التي يحتاج إليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لن يكتفي باستخدام التكنولوجيا، بل يمكنه أن يصبح جزءًا من الاقتصاد الذي تُبنى حوله التكنولوجيا نفسها.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot