في وقت تتجه فيه مصر إلى التوسع في جذب الاستثمارات الصناعية، هناك ملف قد يبدو أقل بريقًا من افتتاح مصنع جديد، لكنه ربما يكون أكثر أهمية لاستمرار المصانع: الصيانة الصناعية.
قد نستثمر ملايين الدولارات في خطوط إنتاج حديثة، ونستورد أحدث المعدات، ونبني مصانع بمواصفات متقدمة، ثم نخسر جزءًا كبيرًا من العائد بسبب عطل متكرر أو نقص قطع الغيار أو غياب الصيانة الوقائية.
وهنا تظهر مفارقة غريبة: كثير من الشركات تنظر إلى الصيانة باعتبارها مصروفًا يجب تقليله، بينما هي في الحقيقة استثمار يحمي باقي الاستثمارات.
المصنع الذي تتوقف فيه ماكينة رئيسية لمدة يوم واحد لا يخسر فقط تكلفة إصلاحها. قد يخسر إنتاج اليوم، ومواعيد التسليم، وثقة العميل، وربما عقدًا كاملًا إذا تكرر التأخير.
وفي الصناعات التي تعتمد على التشغيل المستمر، قد تكون تكلفة التوقف أكبر بكثير من تكلفة الصيانة نفسها.
ولهذا بدأت الصناعة الحديثة تتحول من مفهوم «إصلاح العطل بعد حدوثه» إلى مفهوم أكثر تطورًا: التنبؤ بالعطل قبل حدوثه.
أجهزة الاستشعار تستطيع مراقبة الاهتزاز ودرجة الحرارة واستهلاك الطاقة وسرعة التشغيل، ثم تحليل البيانات لاكتشاف علامات تشير إلى أن أحد المكونات بدأ يفقد كفاءته.
وبدلًا من أن تنتظر الشركة حتى تتوقف الماكينة، يمكنها تحديد موعد للصيانة قبل حدوث العطل.
هذه ليست رفاهية تكنولوجية.
إنها طريقة لرفع الإنتاجية وخفض تكلفة الوحدة وتقليل الفاقد.
والفرصة أمام مصر هنا كبيرة، لأن توطين الصناعة لا يعني فقط تصنيع المنتج النهائي.
يمكن أيضًا توطين خدمات ما بعد البيع وقطع الغيار والصيانة وإعادة تأهيل المعدات.
فكل مصنع جديد يدخل السوق يخلق طلبًا مستمرًا على مهندسين وفنيين وقطع غيار وأنظمة تحكم وبرمجيات وخدمات معايرة.
وهذا يمكن أن يتحول إلى صناعة قائمة بذاتها.
لكن المشكلة أن كثيرًا من المصانع لا تزال تعتمد على الشركة الأجنبية المصنعة للمعدة في الصيانة أو قطع الغيار، وهو ما يعني خروج عملة أجنبية واستغراق وقت أطول في بعض الحالات.
إذا استطعنا بناء شركات مصرية متخصصة في صيانة خطوط الإنتاج وإعادة تأهيلها وتصنيع بعض مكوناتها، فنحن لا نوفر تكلفة فقط، بل نبني خبرة صناعية محلية.
والأهم أن هذه الخبرة يمكن تصديرها أيضًا.
فالدول الأفريقية والعربية التي تمتلك مصانع وخطوط إنتاج تحتاج إلى الخدمات نفسها. والشركة المصرية التي تنجح في إدارة وصيانة خطوط إنتاج داخل مصر يمكنها بعد ذلك تقديم الخدمة في أسواق أخرى.
وهنا يتحول قطاع كان يُنظر إليه باعتباره خدمة مساندة إلى قطاع تصديري محتمل.
لذلك، عندما نتحدث عن تعميق التصنيع في مصر، يجب ألا نركز فقط على عدد المصانع التي سننشئها.
علينا أن نسأل أيضًا:
من سيصون هذه المصانع؟
من سيصنع قطع الغيار؟
من سيبرمج أنظمة التحكم؟
من سيعيد تأهيل المعدات؟
ومن سيقوم بتدريب الفنيين؟
هذه الأسئلة قد تبدو صغيرة مقارنة بأرقام الاستثمارات، لكنها هي التي تحدد في النهاية كم سنة سيظل المصنع يعمل بكفاءة.
فالمصنع لا يصبح صناعة وطنية بمجرد أن يحمل اسمًا مصريًا.
يصبح صناعة وطنية عندما نمتلك حوله المعرفة والخدمة وقطع الغيار والمهارات والتكنولوجيا التي تجعله قادرًا على العمل والتوسع دون الاعتماد الكامل على الخارج.
توطين الصناعة لا يبدأ وينتهي عند خط الإنتاج؛ أحيانًا يبدأ من ورشة الصيانة.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق