أحد أكثر الملفات التي ستحدد شكل الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة ليس ملف الاستثمار وحده، ولا الصناعة وحدها، وإنما قدرة مصر على تحويل موقعها الجغرافي إلى إيراد مستدام.
مصر تمتلك ميزة لا تستطيع معظم الدول شراءها بالمال: موقع يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويضعها بالقرب من أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب قناة السويس والموانئ والمناطق الصناعية.
لكن الموقع الجغرافي في حد ذاته لا يصنع اقتصادًا قويًا.
الموقع يصبح ثروة عندما تتحول حركة التجارة إلى صناعة وخدمات وقيمة مضافة.
السفينة التي تمر بقناة السويس تحقق إيرادًا مهمًا، لكن الاقتصاد يمكن أن يحصل على قيمة أكبر إذا أصبحت البضائع التي تمر عبر المنطقة مرتبطة بخدمات لوجستية، ومخازن، وإعادة تصدير، وتصنيع، وتعبئة، وتجميع، وصيانة، وتمويل وتأمين.
وهنا يظهر الفرق بين دولة تقع على طريق التجارة ودولة تصنع اقتصادًا حول طريق التجارة.
إذا وصلت شحنة من آسيا إلى مصر ثم غادرت كما وصلت، فقد حصلنا على عائد محدود من مرورها.
أما إذا دخلت إلى منطقة صناعية، وأعيد تصنيع جزء منها، وأضيفت إليها مكونات محلية، ثم خرج المنتج النهائي إلى أوروبا أو أفريقيا، فقد تحولت الرحلة التجارية إلى نشاط صناعي كامل.
وهذه هي الفرصة التي يجب أن تُبنى عليها المناطق الاقتصادية والموانئ المصرية.
ليس الهدف أن تصبح مصر مجرد محطة عبور.
الهدف أن تصبح منصة إنتاج وتوزيع إقليمية.
وهذا يتطلب أكثر من تطوير الموانئ. نحتاج إلى ربط الموانئ بالسكك الحديدية والطرق والمناطق الصناعية، وتسهيل التخليص الجمركي، وتوفير مخازن ومراكز توزيع، وإنشاء خدمات لوجستية ذات مستوى عالمي.
كما تحتاج الشركات المصرية إلى أن تكون جزءًا من هذه المنظومة.
فإذا كانت كل الخدمات اللوجستية والتكنولوجية والهندسية مقدمة من شركات أجنبية، فسوف تستفيد مصر من الموقع، لكنها لن تحصل على كامل القيمة الاقتصادية الممكنة.
أما إذا نشأت حول الموانئ شركات مصرية للنقل والتخزين والصيانة والبرمجيات والخدمات الهندسية والتعبئة، فإن كل زيادة في حركة التجارة ستنعكس على عدد أكبر من القطاعات.
والأهم أن الموقع المصري يمكن أن يخدم هدفًا أكبر من مجرد التجارة: التصدير من مصر إلى العالم.
فالمستثمر الذي يستطيع استيراد خاماته بسهولة، وتصنيعها في مصر، ثم شحن المنتج إلى أسواق متعددة بسرعة وتكلفة تنافسية، لديه سبب قوي لاختيار مصر قاعدة إنتاج.
وهنا تتحول الجغرافيا إلى ميزة تنافسية حقيقية.
لكن هناك شرطًا أساسيًا: أن تكون تكلفة استخدام هذه الميزة أقل من تكلفة البدائل.
فالمستثمر لا ينظر إلى الخريطة فقط، بل يحسب الزمن والتكلفة والإجراءات والموثوقية.
لذلك فإن تطوير اللوجستيات ليس مشروع بنية تحتية فقط.
إنه مشروع صناعي وتصديري.
ربما تكون أعظم فرصة أمام مصر ليست في أن تكون الدولة التي تمر عبرها التجارة العالمية، وإنما في أن تكون الدولة التي تتوقف فيها التجارة لتُصنع وتُخزن وتُموّل وتُعاد تعبئتها ثم تُصدر من جديد.
فالموقع الجغرافي هبة.
لكن تحويله إلى ثروة يحتاج إلى صناعة، ولوجستيات، وتكنولوجيا، وسرعة في الإجراءات.
الموانئ قد تجذب السفن، لكن الصناعة هي التي تجعل السفينة تحمل قيمة مصرية عند مغادرتها.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق