فالمستثمر لا يخسر فقط عندما يدفع تكلفة مرتفعة للأرض أو التمويل والطاقة، بل يخسر أيضًا عندما يبقى رأس ماله مجمدًا في مشروع لم يبدأ الإنتاج بعد.
قد تكون الأرض جاهزة، والتمويل متاحًا، والآلات وصلت إلى الميناء، لكن إذا استغرق الحصول على الموافقات أو التراخيص أو توصيل المرافق وقتًا أطول من المتوقع، فإن المشروع يدفع ثمن هذا التأخير حتى لو لم تُفرض عليه أي رسوم إضافية.
وهنا يجب أن نتعامل مع الوقت باعتباره تكلفة اقتصادية حقيقية.
إذا استثمر رجل أعمال عشرات الملايين في مصنع، فإن كل شهر تأخير يعني شهرًا إضافيًا دون إنتاج، ودون مبيعات، ودون استرداد لرأس المال، بينما تستمر بعض التكاليف في العمل.
والأمر أكثر خطورة في المشروعات التي تعتمد على التمويل البنكي، لأن الفوائد قد تبدأ قبل أن يبدأ المصنع في تحقيق إيراداته.
لذلك فإن سرعة الإجراءات ليست مجرد تحسين للخدمة الحكومية.
إنها جزء من تنافسية الاقتصاد نفسه.
الدول التي تريد جذب المصانع لا تتنافس فقط على سعر الأرض والطاقة، وإنما على السؤال: كم يستغرق تحويل فكرة استثمارية إلى مصنع يعمل؟
وهنا يمكن لمصر أن تحقق مكاسب كبيرة دون أن تنفق مليارات جديدة.
رقمنة الإجراءات، وتوحيد المستندات، وربط الجهات الحكومية إلكترونيًا، وتحديد مدد زمنية واضحة، ومنع تكرار طلب البيانات نفسها من المستثمر، كلها إصلاحات قد تخفض تكلفة الاستثمار دون أن تتحمل الدولة دعمًا ماليًا مباشرًا.
لكن الرقمنة وحدها ليست كافية.
يمكن أن تصبح المنصة الإلكترونية ممتازة، ثم يتوقف الملف في مرحلة لاحقة لأن القرار النهائي يحتاج إلى موافقة من جهة أخرى تعمل بمنظومة مختلفة.
المطلوب إذن ليس رقمنة البيروقراطية، وإنما إعادة تصميمها.
أي أن نسأل: لماذا يحتاج المستثمر أصلًا إلى كل هذه الخطوات؟ وهل يمكن دمج بعضها؟ وهل يمكن أن تكون هناك جهة واحدة مسؤولة عن متابعة المشروع حتى يبدأ الإنتاج؟
والأهم أن يكون هناك فرق واضح بين المستثمر الجاد وغير الجاد.
المستثمر الذي قدم دراسة، وحصل على التمويل، وبدأ إجراءات الإنشاء، ينبغي أن يحصل على مسار سريع وواضح، بينما تُتخذ إجراءات حاسمة تجاه من يحصل على الأرض ثم يتركها دون تنفيذ.
فالدولة لا تحتاج فقط إلى توزيع الأراضي، وإنما إلى تحويل الأراضي إلى أصول منتجة.
وفي النهاية، قد تكون إحدى أرخص طرق تحسين مناخ الاستثمار هي أيضًا واحدة من أكثرها تأثيرًا:
اختصار الوقت.
لأن تخفيض تكلفة الأرض مرة واحدة قد يساعد المستثمر، لكن اختصار ستة أشهر من دورة إنشاء المصنع يمكن أن يوفر عليه تكاليف تمويل وتشغيل وتأخير أكبر بكثير.
ولهذا يجب أن يصبح لدينا مؤشر اقتصادي واضح لا يقل أهمية عن قيمة الاستثمار نفسه:
كم يومًا يحتاج المستثمر من لحظة تخصيص الأرض حتى لحظة بدء الإنتاج؟
إذا استطعنا تقليل هذه المدة بصورة حقيقية، فسوف نكون قد خفضنا تكلفة الاستثمار، وزدنا جاذبية مصر، وسرّعنا دخول المصانع إلى الإنتاج، وبدأنا تحصيل العائد الاقتصادي قبل أن تتراكم تكلفة الانتظار.
في عالم الاستثمار، الوقت ليس مجرد أيام تمر… الوقت رأس مال.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق