السبت، 22 أغسطس 2026

حين تتراجع القيم.. أين نحن من الإنسانية؟


بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة باللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان

الانفلات الأخلاقي وتقهقر منظومة القيم.. عندما يصبح الهرج عنوانًا لزمنٍ غابت فيه التربية والضمير

في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتغير فيه المفاهيم، أصبحنا أمام ظاهرة خطيرة لا يمكن السكوت عنها: تراجع الأخلاق، وضعف الضمير، وتقهقر منظومة القيم الإنسانية والاجتماعية. أصبحنا نرى صورًا من العنف والتنمر والكذب والتطاول وقلة الاحترام وكأنها أمور عادية، بينما الحقيقة أنها مؤشرات خطيرة على خلل يحتاج إلى وقفة جادة من الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة.

وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زمن تكثر فيه الفتن ويكثر فيه الهرج، فقال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج»، ولما سُئل عن الهرج قال: «القتل القتل»، وهو حديث صحيح رواه مسلم، وجاء كذلك في صحيح البخاري ضمن حديث يتحدث عن قبض العلم وظهور الفتن وكثرة الهرج.

وهنا يجب أن نتوقف أمام المعنى بوعي وأمانة؛ فالحديث النبوي يتحدث عن الهرج بمعنى كثرة القتل والفتن، وليس من الدقة أن ننسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبارة «الهرج والمرج» باعتبارها نص الحديث. لكن ما نراه اليوم من اضطراب اجتماعي وفوضى أخلاقية يستحق بالفعل أن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا: أين ذهبت الرحمة؟ وأين اختفى احترام الكبير؟ وأين مكان الصدق والأمانة والحياء؟

والسؤال الأخطر: أين تبدأ التربية؟
الإجابة واضحة: تبدأ من البيت قبل المدرسة، ومن الأب والأم قبل المعلم، ومن القدوة قبل النصيحة. فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الاحترام، والصدق، وتحمل المسؤولية، وضبط النفس، واحترام الآخرين.

لكننا أصبحنا نشاهد أحيانًا ظاهرة مؤسفة؛ فإذا أخطأ الابن، سارعت الأسرة إلى اتهام المدرسة والمعلم بالتقصير، متجاهلة أن المدرسة لا تستطيع وحدها أن تصنع إنسانًا صالحًا إذا كان الطفل يعيش في بيئة منزلية لا يجد فيها القدوة أو المتابعة أو الحدود الواضحة للسلوك.

فهل مطلوب من المدرسة أن تربي أبناءنا وحدها؟
بالطبع لا. المدرسة شريك أساسي في التربية والتعليم، لكنها ليست البديل عن الأسرة. والمعلم يستطيع أن يعلّم ويهذب ويوجه، لكنه لا يستطيع أن يحمل وحده مسؤولية ما يُغرس في الطفل طوال سنوات عمره داخل المنزل.

والأخطر من ذلك أن بعض الأبناء أصبحوا يستمدون معاييرهم الأخلاقية من مواقع التواصل، ومن المؤثرين، ومن محتوى قد يجعل الخطأ بطولة، والتجاوز جرأة، وقلة الأدب «حرية شخصية»، والتنمر «مزاحًا»، والكذب وسيلة لتحقيق الشهرة أو الهروب من المسؤولية.

وهنا تظهر مسؤولية الوالدين بصورة أكبر؛ أين المتابعة؟ أين الحوار؟ أين السؤال عن أصدقاء الأبناء؟ ماذا يشاهدون؟ ماذا يكتبون؟ وماذا يتعلمون من العالم الافتراضي؟ إن ترك الأبناء بلا رقابة أو توجيه في عالم مفتوح ليس حرية، بل قد يتحول إلى إهمال تربوي عواقبه لا تظهر إلا بعد فوات الأوان.

أما غياب الوعي الديني والأخلاقي، فهو قضية أخرى لا تقل خطورة. فالدين ليس مجرد معلومات تُحفظ، ولا كلمات تُقال في المناسبات، وإنما سلوك وأمانة ورحمة واحترام للإنسان وحفظ للحقوق. وإذا انفصل الكلام عن السلوك، أصبحت التربية شكلًا بلا مضمون.

وماذا يحدث عندما يغيب الضمير؟
يصبح الاعتداء سهلًا، والكذب مبررًا، والتشهير وسيلة للانتقام، والتنمر مصدرًا للضحك، وإهانة الآخرين أمرًا عابرًا. وعندما تتكرر هذه السلوكيات دون ردع أو تقويم، يبدأ المجتمع في فقدان حساسيته تجاه الخطأ، فيصبح ما كان مرفوضًا بالأمس مقبولًا اليوم.

لذلك فإن إنقاذ منظومة القيم ليس مسؤولية وزارة واحدة، ولا مؤسسة واحدة، ولا المدرسة وحدها. نحن أمام مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، ثم المؤسسة الدينية والإعلام، ثم مؤسسات المجتمع المدني، وكل جهة تستطيع أن تساهم في صناعة الوعي وحماية المجتمع من الانهيار الأخلاقي.

ونحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة القدوة؛ فالأب الذي يطالب ابنه بالصدق وهو يكذب أمامه، والأم التي تطلب منه احترام الآخرين وهي تهينهم أمامه، والمعلم الذي يتحدث عن الأخلاق دون أن يمارسها، كل هؤلاء يقدمون للطفل درسًا أقوى من ألف كلمة.

إننا لا نحتاج إلى جيل يخاف من العقاب فقط، وإنما نحتاج إلى جيل يمتلك ضميرًا يمنعه من الخطأ حتى عندما لا يراه أحد. وهذه هي التربية الحقيقية: أن تجعل الأخلاق جزءًا من شخصية الإنسان، لا مجرد سلوك مؤقت خوفًا من الأسرة أو المدرسة أو القانون.

ومن هنا، فإن رسالتي إلى كل أب وأم: لا تتركوا أبناءكم للشارع أو الهاتف أو مواقع التواصل لتربيهم بالنيابة عنكم. اقتربوا منهم، اسمعوهم، حاوروهم، راقبوهم، صححوا أخطاءهم، وكونوا أنتم القدوة التي يبحثون عنها.

ورسالتنا إلى المدرسة والمعلم: أنتم خط الدفاع الثاني عن منظومة القيم بعد الأسرة، فاحترام المعلم وحماية مكانته لا يعنيان إلغاء حق الطالب، كما أن حماية الطالب لا تعني التساهل مع السلوكيات التي تهدد المجتمع المدرسي.

ورسالتنا إلى المجتمع كله: لا تنتظروا أن تتفاقم المشكلة حتى نبحث عن حلول. فالقيم عندما تسقط لا تسقط فجأة، وإنما تتآكل خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الخطأ مألوفًا والصواب غريبًا.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا يحدث في زماننا؟ بل: ماذا سنفعل نحن؟
هل سنقف متفرجين على تراجع الأخلاق، أم سنبدأ بإصلاح أنفسنا وبيوتنا ومدارسنا ومجتمعنا؟

إن بناء الإنسان يبدأ من بناء ضميره، وحماية المجتمع تبدأ من حماية قيمه. وإذا أردنا مستقبلًا آمنًا لأبنائنا، فعلينا أن نعيد إلى حياتنا معنى الرحمة، والصدق، والاحترام، والأمانة، والحياء، والمسؤولية.

فالأوطان لا يحميها القانون وحده، وإنما يحميها أيضًا ضمير حي، وأسرة واعية، ومدرسة مسؤولة، وإنسان يعرف أن حريته لا تعني الاعتداء على حقوق الآخرين.

وفي النهاية.. فلنسأل أنفسنا جميعًا: إذا لم نبدأ اليوم، فمتى؟ وإذا لم نربِّ أبناءنا نحن، فمن سيفعل؟ وإذا تركنا القيم تنهار أمام أعيننا، فماذا سنترك للأجيال القادمة؟

شعارا الجهتين المعتمدين في الهوية

شعار جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان
شعار الاتحاد الدبلوماسي الدولي لحقوق الإنسان

ملاحظة تحريرية: تم ضبط صياغة الاستشهاد بالحديث النبوي حتى لا تُنسب إلى الرسول ﷺ عبارة ليست هي اللفظ الوارد في الروايات الصحيحة؛ والحديث الصحيح يذكر «الهرج» ويفسره بـ«القتل».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot